الخميس، 10 سبتمبر 2009

اطلالة على التجربة الثورية لجمال عبد الناصروعلى فكره الاستراتيجي والتاريخي
ج 1
جمال الاتاسي
1- مع الثورة في مسارها التاريخي العام- الثورة المستمرة وحضور عبد الناصرقال عبد الناصر عام 1953 في " فلسفة الثورة " : " إنني كنت بنفسي داخل الدوامة العنيفة للثورة. والذين يعيشون في أعماق الدوامة قد تخفى عليهم بعض التفاصيل البعيدة عنها... وكذلك كنت بإيماني وعقلي وراء كل ما حدث وبنفس الطريقة التي حدث بها، وإذن فهل أستطيع أن أتجرد من نفسي حين أتكلم عنه، وحين أتكلم عن المعاني المستترة وراءه؟أنا من المؤمنين بأن لا شيء يمكن أن يعيش في فراغ . حتى الحقيقة لا يمكن أن تعيش في فراغ... والحقيقة الكامنة في أعماقنا هي : ما نتصوره أنه الحقيقة، أو بمعنى أصح : هو الحقيقة مضافاً إليها نفوسنا... نفوسنا هي الوعاء الذي يعيش فيه كل ما فينا . وعلى شكل هذا الوعاء سوف يتشكل كل ما يدخل فيه ، حتى الحقائق . وأنا أحاول - بقدر ما تستطيع طاقتي البشرية - أن أمنع نفسي من أن تغيّر كثيراً من شكل الحقيقة . ولكن إلى أي حد سوف يلازمني التوفيق ؟ .هذا سؤال ... وبعده أريد أن أكون منصفاً لنفسي ، ومنصفاً لفلسفة الثورة ، فأتركها للتاريخ يجمع شكلها في نفسي، وشكلها في نفوس غيري ، وشكلها في الحوادث جميعاً ، ويخرج من هذا كله بالحقيقة كاملة... " .وهذا الذي قاله عبد الناصر في بدايات ثورته ، لم يأت في سياق تقديم فلسفة للثورة التي يريدها، أو تقديم تحليل أيديولوجي لمسارها ، بل جاء في سياق النفي لذلك ، ولأن يكون كتابه فلسفياً أو يحمل فلسفة للثورة ولو أنه صدر وهو يحمل هذا الاسم . فذلك الكتاب الأول والصغير جاء ليعطي صورة أولية عن مخاض الثورة في حياة عبدالناصر وحياة وطنه وشعبه ، وليسجل المقدمات الأولى لحركة هذه الثورة واستراتيجيتها ولآفاقها العامة وأبعادها وتطلعاتها وأهدافها ، وليؤكد أصالة هذه الثورة وجذريتها ، فهي ليست انقلاباً ، وهي ليست لمرحلة تتوقف عندها ، بل هي ثورة وطنية تتطلع للمستقبل وتتطلع للشمول ، شمول الأمة وشمول تاريخها وحضارتها ، وشمول التحرر الإنساني والتقدم والنهوض بالأمة إلى مستوى العصر.ولكن هذه الفقرة التي اقتطعناها من سياقها في كتاب " فلسفة الثورة " ، أتينا بها في هذا التقديم للبحث عن " الفكر التاريخي لعبد الناصر " ، ما جئنا بها إلا لأنها تكاد تكون تعبيراً عن سياق نضج الوعي الثوري في حياة عبدالناصر وسياق تجربته ، وليس في تلك البدايات فقط ، بل وفي استمراريتها حتى النهاية. كما وأنها التعبير ومنذ تلك البدايات ، عن الحس التاريخي عند عبد الناصر، من قبل أن يقرأ فلسفة التاريخ، ومن قبل أن يأخذ بالاشتراكية العلمية ، أي بالجدلية التاريخية، التي صاغ على أساس من مبادئها ومقولاتها العامة ، دليل عمله الاستراتيجي " الميثاق الوطني "، بعد عشر سنوات من تلك البدايات . وهو من خلال هذا الحس التاريخي، جاء ليقول ، إن الحقيقة ليست جاهزة ولا منزلة ، بل هي صيرورة تتكامل وتتجدد في مسار التاريخ ، وهي تتشكل أيضاً في نفس الإنسان، أي في تقدم حركة وعيه الذاتي واستيعابه.وهي صيرورة من خلال تلك الجدلية بين وعي الإنسان وقوانين التاريخ الإنساني الناظمة لحركته، هذا من غير أن يقف عند تأكيد المقولة الثانية في الفكر التاريخي وهي " أن الإنسان يصنع التاريخ "، وعبدالناصر من خلال ثوريته، ومن خلال تفاعله مع تاريخ أمته وجماهير شعبه وفعله فيهما ، كان ممن صنعوا ذلك التاريخ .ولكن عبدالناصر لم يكن فيلسوفآ للثورة ، ثورة الأمة العربية في هذا العصر، بل كان يعيش هذه الفلسفة إحساساً ومعاناة ، ويطبقها ممارسة ونضالاً . وعبدالناصر لم يقدم أيديولوجية أو " نظرية متكاملة " ومنهجاً في البحث والتفكير يدل الثورة في كل مراحلها ، إلى طريقها وأهدا فها ، ويبني الوحدة الفكرية لطلائعها وأداتها ، ولكنه كان أيديولوجية ثورية في مخاض التشكل ، من خلال التجربة الثورية الخاصة والتعلم من تجارب الآخرين ، لتأتي مطابقة للواقع الثوري الذي يتقدم به نضال شعبنا وحركة نهوض أمتنا. وكان يتحرى الكلمة التي تعبر عن حس الجماهير وعن المرحلة التي نهض إليها وعيها السياسي والاجتماعي . وكان يطالب بالفكر الموحد الذي يؤلف بين قوى الثورة العربية ويدفع على طريق وحدة برنامجها الثوري ووحدة أداتها ، ولو أنه لم يصل إلى صياغة أيديولوجبة لهذا الفكر ولم يتوصل إلى تحقيق تلك المرامي .ومن خلال هذا المنظور، وبالتطلع إلى ذلك الهدف ، الذي تطلع إليه عبدالناصر وأراده و لم يصل بنا إليه، نعيد اليوم قراءة عبدالناصر، ونخوض في حوار مع تجربته وممارساته وأفكاره، في محاولة لاستكشاف حقيقة تلك التجربة الثورية وحقيقة تشكلها " في نفسه " وفي حركة الجماهير التي أعطاها الكثير وأعطته أكثر، وعن شكلها أو انعكاسها " في الحوادث " التي تعاقبت في حياته وبحضوره ثم من بعده وفي غيابه.إن التقييم الذي يجري اليوم من قبل البعض، للدور التاريخي الذي قام به عبدالناصر ولفكره المتقدم في مرحلته، من خلال الفراغ الذي خلفه بغيابه عن مسرح الأحداث ، ومن خلال النكسات التي توالت من بعده ، على أرض مصر وفي أرجاء الوطن العربي ، شيء هام وجدير بالتأمل ، ولكن الأهم من ذلك، هو تقييمه وتثمينه عبر تحليل ونقد تجربته الثورية في مساره كله . فهي تجربة أمسكت بمسار الأمة العربية كلها وشدتها إليها كما لم تشدها في يوم من أيام تاريخها منذ قرون ، وشدت الجماهير، كما شدت بشكل أو بآخر، سلباً أو إيجاباً ، جميع فئاتها وقواها ، ولذا لا بد أن يكون نقدنا لها بالضرورة ، نقداً أعم وأشمل يتناول تيارات الثورة العربية ككل من خلال تجربة عبدالناصر، ثم إن قضية الثورة الناصرية ما زالت قضيتنا ، وأهدافها ما زالت أهداف جماهير أمتنا في مختلف أرجائها ، إلا أنها ثورة تعثرت وانقطعت ، ولا بد أن نعي بعمق عوامل التعثر والانقطاع ، ليكون هذا الوعي النقدي سبيلنا إلى تدارك هذا التعثر الكبير بل هذا الانحطاط الذي تردت إليه أوضاع النظم السياسية وتردت إليه الحياة الاجتماعية والثقافية لشعوب أمتنا، وتردت إليه حركة تحررنا ونضا! لنا، وليظل هذا الوعي النقدي متواصلاً ومتقدماً ، يضع جدلية الثورة ويدفع بحركة التاريخ . ولعل الخطأ الكبير الذي وقع به نظام عبدالناصر والأدوات التنفيذية لسلطته الثورية ، كما وقعت به ثورات ونظم ثورية أخرى ، هو أنها لم تساعد على تفتيح هذا الوعي النقدي ، أي تقدم الوعي الثوري عن طريق النقد المتواصل للتجربة الثورية في مساراتها كلها، ولم تعمل على خلق أدوات مثل هذا الوعي الجماعي ، الذي يصنع حيوية الثورة وتجددها المستمر، فضلاً عن أنها في عدد من مراحل هذه الثورة ، عملت ضد تفتح هذا الوعي النقدي وأدواته بحيث لم يمارس مثل هذا الطراز من النقد ( أي نقد الثورة لذاتها وتجربتها) إلا عبدالناصر ذاته . وكان هذا يأتي أحيانأ وبحكم الواقع والضرورات ، بعد أن تحل الكوارث والمصائب ، كما جاء النقد الذاتي لتجربة الوحدة ، بعد كارثة الانفصال، وكما جاء النقد لبنيان النظام وتكوين أجهزته وقياداته والأمور التي كانت من عوامل الهزيمة ، بعد أن وقعت الهزيمة في حزيران ( يونيه) . وإذا كان من الحق القول إن عبدالناصر قبل الهزيمة ، كان يعيش بنفسه ، استمرارية الثورة ( وكما قال في البداية عن نفسه في كلماته التي قدمنا به! ا مقالتنا) ، " داخل الدوامة العنيفة للثورة " يقود صراعاتها ويدفع بحركت ها إلى الأمام ويصارع أعداءها الكثر في الداخل والخارج ، فلقد كان يعيش أيضاً في إطار النظام البيروقراطي الذي يبسط مصالحه وهيمنته من حوله . وإذا كانت دوامة الثورة وحرارتها تشد الإنسان في كليته " لتخفي عنه بعض التفاصيل البعيدة عنها "، فلقد كان من طبيعة النظام البيروقراطي واللاديمقراطي الذي شيّد في ظل قيادة عبدالناصر، أن يغيّب عن عين " قيادة الثورة "، لا التفاصيل البعيدة، بل والكثير من الوقائع والكثير من القصورات والثغرات ومن المصالح اللاثورية والانحرافات، التي راهن عليها التآمر على الثورة والقوى المضادة للثورة والتي دخلت منها القوى المعادية ودخلت الهزيمة.***ونعود مرة ثانية إلى التاريخ ومنطق التاريخ، حيث تأخذ الحقيقة الإنسانية صيرورتها، وحيث تتسلسل الأ حداث وتتوالى، آخذة إيجابيتها معناها ، وحيث تفعل قوانين التطور والصراع لتدفع بمراحله وتحدد منحاها، وحيث يأخذ رجال الفكر ورجال السياسة التاريخيون دورهم في تحريك الوعي والدفع بحركة الأحداث وتحريض النقلة النوعية واختصار الزمن ، وحيث تأخذ الثورات الإنسانية للشعوب دورها في التغييرات التاريخية وتخطي المراحل ، ولكن التاريخ يبقى في تسلسله الزمني ماضياً وحاضراً ومستقبلا.وإذا كان من منطق الفكر التاريخي ، أن يفسر الحاضر بالماضي ، وأن يجد الحدث الذي يمر الآن تعليله في توالي الأحداث التي جاءت قبله وما فعلت، كذلك فإن الماضي لا ينفصل عن حكم الحاضر عليه . والحدث التاريخي العظيم الذي تعيشه الأمة في مرحلة ، لا بد وأن يفقد الكثير من عظمته إذا ما توالت الإخفاقات من بعده وبسبب تلك الإخفاقات . وهكذا ينال كثيراً من شموخ المرحلة التي عاشتها أمتنا نضالاً وثورة وتقدماً في أيام عبد الناصر، وفي ظل قيادته وفي حضوره القومي والفاعل ، وينال كثيراً من عظمة تلك المرحلة، ما كان بعدها من انتكاس ، وما كان بعدها من ردات ومن تشتت وضياع . وذلك منطق الأمور في مراحل التقهقر الثوري ، وعندما تتوقف حركة الدفع نحوالمستقبل .ولكن الظاهرة التي عاشتها أمتنا في مرحلة عبدالناصر وبحضوره القوي المتحرك على مسرح الأحداث ، هي أن المستقبل وآمال المستقبل أخذت تقتحم الحاضر وتفعل فعلها في حياتنا وترسم ملامحها عليها، وتؤجج حيوية الجماهير ونضالها اندفاعاً على طريق التغيير ودفعاً على طريق أهداف المستقبل ، أي أن تاريخنا بعد الركود الطويل ، أصبح تاريخاً هادفاً وأخذ يسير. ولكننا، وبعد غياب عبدالناصر عن مسرح الأحداث ، وبهذا الغياب لدوره الذي كان ، وبتدخل عدد من العوامل والقوى السلبية المضادة للثورة ولحركة تاريخ الأمة التي وجدت فرصتها في هذا الغياب ، تجمدت حركة تاريخنا وانغلق المستقبل وتاهت الأبصار دون الهدف وعادت رواسب الماضي تلقي بأثقالها على الحاضر، وتدور به في دوامة التأزم والتشتت والعجز.إن عبد الناصر ما جاء، ومنذ البداية، نداء بالثورة وتاكيداً على ضرورتها ، لتغيير مجرى حياتنا وتاريخنا فحسب ، بل جاء وكأنه بدوره القيادي والمحرك فيها ، ضرورة من ضرورات تلك الثورة. جاء ليستشكف أمام جماهير أمته، مقدار ضياع حريتنا وقدراتنا ومقدار تأخرنا عن الركب الإنساني الصاعد، وليحرض في نفوسنا وحياتنا حافز الثورة لتدارك هذا التأخر وتحرير إرادتنا وإطلاق طاقات أمتنا ومبادراتها الإنسانية المبدعة.والثورة التي قادنا عبدالناصر على طريقها ، لتحرير أوطاننا وإرادة جماهير أمتنا، ولتدارك تأخرنا واللحاق بركب التقدم والنهوض إلى مستوى العصر، لم تكن ثورة واحدة ومحددة ، لم تكن ثورة التحرر الوطني فحسب (حسب التحديد الأيديولوجي وحسب التحديد التاريخي والاجتماعي للثورات التي توالت في تاريخ الإنسانية) بل هي حركة تغيير ثوري ، تعددت وتداخلت مهماتها ومراحلها . وهي إذا ما انطبقت عليها تلك التسمية العامة التي تطلق على الثورات الوطنية لأقطار ( العالم النامي) ، أي الثورة الوطنية الديمقراطية المتعددة المراحل والمهمات التاريخية ، فإنها قد صاغت بذاتها ومن خلال مسارها، لحمتها الثورية الواحدة ، لتصبح ثورة الأمة العربية، لتحرير أوطانها وشعوبها، ولبناء اندماجها الوطني ووحدتها القومية، ولصنع تقدمها وبناء حياتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية من جديد على طريق الحرية والاشتراكية .فمن أين بدأ عبدالناصر ثورته ، أو بالأحرى ثورة الأمة العربية في مرحلة القيادة الناصرية لها ، وأين وقفت هذه الثورة وإلى أين تنتهي؟نستطيع أن نحدد بالتأكيد أين ومن أين بدأت : إنها بدأت ثورة وطنية مصرية تخلع الملك وتسقط النظام الملكي ومعه حلفه الطبقي ، أي تسقطه كنظام اجتماعي وسياسي ، وتطرد الاستعمار وأعوانه . ولقد حققت ثورة عبدالناصر ، أول ماحققت ، ذلك الاستقلال الوطني الكامل للقطر المصري وحكم أبناء شعبه كما لم يتحقق منذ عشرات القرون .إنها ثورة التحرر الوطني وهي تواصل مسارها، ولكنها، ولوجود عبدالناصر على رأسها وما جسده هذا الوجود لعبدالناصر، رجل التاريخ والمتعامل مع حركة التاريخ ، عبدالناصر المنفتح بكليته على الشعب وأحاسيسه وتطلعاته، والفاعل في حركة الجماهير والمتفاعل معها ، يصنع معها وبنضالها وبتقدم وعيها، حركة التاريخ ، فإن هذه الثورة أخذت صيغة الثورة المستمرة ، محددة أبعادها الأولى في أنها ثورة سياسية واجتماعية معاً ، صاعدة بهذه الثورة مراحل وأطواراً ، آخذة شيئاً فشيئاً بعدها القومي العربي دفعاً على طريق وحدة نضال الأمة ووحدة أهدافها ، وعلى طريق اندماجها ووحدتها، متطلعة إلى أن تكون ثورة شمولية تقدم تجربتها الإنسانية ومعانيها الحضارية .تلك بداية وذلك مسار، أما أين انتهت وأين يمكن أن تنتهي مثل هذه الثورة، فقد قال عبدالناصر بعد عشر سنوات من البداية : يسألون أين نقف بثورتنا " لا أعرف أين نقف ، إننا لن نقف إلا عندما ينتهي استغلال الإنسان للانسان ... ". وهذه النهاية جدلية مثل جدلية الصراعات الاجتماعية والاقتصادية وجدلية التاريخ الإنساني ، وتظل مفتوحة على المستقبل .إنها ثورة بدأت من استيعاب تاريخ النضال الوطني التحرري لمصر، ومن استيعاب مراحله السابقة وانتفاضاته الثورية، واستيعاب قصورات ذلك النضال وعثراته ، لتنتقل إلى استيعاب معطيات الحاضر. وهي إذا ما أعطت المقدمات الأولية لهذا الاستيعاب في كتاب " فلسفة الثورة " ، مؤكدة على الأبعاد الزمنية والأطر " المكانية " التي تتحرك فيها هذه الثورة فلقد جاء عبد الناصر ليوضح بعد ذلك هذا الاستيعاب ، في مقدمة " الميثاق الوطني " ، من خلال استعراض قصورات الثورة الوطنية المصرية لعام 1919 وعوامل انتكاسها وفشلها، وقد حدد ثلاثة جوانب من تلك القصورات :" أولاً - إن القيادات الثورية ( في تلك المرحلة) أغفلت إغفالاً يكاد أن يكون تاماً مطالب التغيير الاجتماعي ، على أن تبرير ذلك واضح في طبيعة المرحلة التاريخية التي جعلت من طبقة ملاك الأراضي أساساً للأحزاب السياسية التي تصدت لقيادة الثورة ...ثانياً - إن القيادات الثورية في ذلك الوقت لم تستطع أن تمد بصرها عبر سيناء وعجزت عن تحديد الشخصية المصرية، ولم تستطع أن تستشف من خلال التاريخ أنه ليس هناك من صدام على الإطلاق بين الوطنية المصرية وبين القومية العربية . لقد فشلت هذه القيادات في أن تتعلم من التاريخ ، وفشلت أيضاً في أن تتعلم من عدوها الذي تحاربه ، والذي كان يعامل الأمة العربية كلها على اختلاف شعوبها طبقاً لمخطط واحد...ثالثاً- إن القيادات الثورية ( تلك) لم تستطع أن تلائم بين أساليب نضالها وبين الأساليب التي واجه الاستعمار بها ثورات الشعوب في ذلك الوقت..." .وهكذا فعلى محور الصراع الاجتماعي والطبقي ، وعلى محور النضال الوطني والقومي العربي وعلى محور النضال ضد الاستعمار بأشكاله التقليدية والامبريالية الجديدة ، على هذه المحاور الثلاثة صاغت الثورة الناصرية حركتها التاريخية. ولكن عبدالناصر، وفي إطار الواقع التاريخي والجغرافي والسكاني لمصر، وفي إطار معطيات الواقع العربي وفواصل التجزئة القائمة بين أقطاره واختلاف أطوارها في التقدم والتحرر واختلاف نظمها، ثم وفي مواجهة ذلك الواقع المتجسد بقيام الكيان الإسرائيلي الاستعماري الاستيطاني التوسعي المدعم بالحلف الإمبريالي- الصهيوني العالمي ، أراد أن يجعل من مصر، القطر العربي الأكبر والأكثر تقدماً في اندماجه الوطني وتطوره الاجتماعي والثقافي وكذلك في موقعه الاستراتيجي الدولي، ذلك المرتكز الذي لا بد منه لبناء تلك الثورة بكل أبعادها الاستراتيجية والاجتماعية والوطنية والقومية والدولية ، وأن يجعل من تجربته في مصر النموذج والقدوة ، وأن يحمل مصر العبء الأكبر، وأن يجعل منها المرتكز الاستراتيجي لثورة الأمة ، تمشي في مقدمتها، وتدفع بحركتها وتقود تلك الحركة.لقد قامت ثورات وحركات متعددة في أرجاء مختلفة من الوطن العربي ، بعضها جاء من قبل عبدالناصر، وبعضها في حضوره وبمساندته، وبعضها قام في منافسة ومن خلال ادعاء التقدم عليه... بعضها كان شامخاً شموخاً كبيراً وله رصيده العربي والدولي الكبير كثورة الجزائر حين مشت بنضالها الرائع إلى النصر، ولكن أياً منها لم تأخذ بعدها القومي وبعدها الشمولي مثل ثورة عبد الناصر، لعاملين اثنين هما : دور مصر وشعب مصر ومكانة مصر في الوطن العربي ، والدور التاريخي لشخصية عبدالناصر، ثم هناك علاقة قيادة عبدالناصر بجماهير الأمة ، تلك العلاقة التي لم تقم لقيادة غيرها .وأذكر بهذا الصدد كلمة للرجل الذي كان رمزاً كبيراً من رموز الثورة الجزائرية والرئيس الأول لدولتها الوطنية المستقلة أحمد بن بلا . كان ذلك في شهر أيار (مايو) عام 1963 عند زيارة وفد رسمي وشعبي من " حركة 8 آذار (مارس) في سورية " للجزائر، وانفردت للحظة في إحدى مناسبات تلك الزيارة بالرئيس بن بلا ومعنا رجل ثالث ، وكان الحديث عن الوحدة الثنائية (مصر وسورية) أو الثلاثية (مصر- سورية - العراق) وعن الدور الذي يمكن أن تلعبه قيادة ثورة الجزائر في التأثير على الجانبين الصديقين لها، دفعأ بمسيرة الوحدة إلى الأمام . وشاء الرجل أن يتحدث عن النقلة النوعية التي يمكن أن تحدثها الجزائر إذا ما دخلت في المسيرة الوحدوية، وعن إمكانية أن تحل الإشكالات بأن تأخذ القيادة الثورية الجزائرية دورها القيادي في تلك الوحدة . وجاء جواب أحمد بن بلا بما يعني على وجه التحديد: " قضيتكم اليوم أن تقوم وحدة ثلاثية بين مصر وسورية والعراق ولا بد من التركيز على إنجازها، وهناك وجهة نظر هي أن تكون البداية بإعادة الوحدة بين مصر وسورية أولاً ، وهي وجهة نظر محقة لما تعنيه من إسقاط فعلي للانفصال وإعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي ! . أما موضوع الجزائر فإنني مؤمن بالوحدة وضرورتها ولكننا ما زلنا في بداية استقلالنا الوطني ولدينا مهمات كثيرة وعويصة لا بد من إنجازها لنضع أنفسنا على هذا الطريق . ولكن لتكن الأمور واضحة أمامكم ، لا وحدة إلا بمصر أولأ ولا وحدة إلا بعبد الناصر رئيساً لدولتها . فهناك مصر وحجم مصر أو دورها، وهناك أيضاً دور عبد الناصر كرئيس لمصر وشعبيته العربية . فلو افترضنا أننا انضممنا بالجزائر لوحدة من هذا القبيل ، فإنه سيكون من السهل علينا في مثل هذه الحال إقناع شعب الجزائر بالتصويت للرئيس عبدالناصر رئيساً له ولدولة الوحدة . ولكنني لا أتصور مطلقاً أن بالإمكان إقناع شعب مصر، بل ولا شعب سورية ولا أي شعب عربي آخر يدخل الوحدة ودولة الوحدة ، أن يكون رئيساً له غير رئيس مصر وغير الرئيس جمال عبدالناصر " .فمصر والدور القومي الكبير لمصر، ومصر بعبدالناصر والحيز الذي شغلته قيادة عبدالناصر، عاملان استراتيجيان كبيران في إرساء معالم ثورة الأمة تلك ، وعبدالناصر، ومنذ حرب السويس عام 1956، جاء يحتضن قضية الأمة العربية كلها، ونضال الأمة على جميع ساحاتها، وعاش لهذه القضية ولذلك النضال بكليته وقضى على طريقهما وفي سبيلهما.ولكن ثورة عبد الناصر التي كانت الثورة المستمرة والمتعددة المراحل والمتجددة صعوداً إلى الأمام، هذه الثورة أين كان توقفها، وما هو سر توقفها عند غيابه. ولماذا جاء هدا الانتكاس وصعود قوى الثورة المضادة من بعده، وصعودها في مصر أولاً لترتد بها عن طريق الثورة، ولتخرج بها عن طريقها الوطني والقومي الثوري ، وليسهل على قوى الثورة المضادة أن تمتد بعد ذلك إلى العديد من الساحات العربية. ذلك أن تلك الثورة ، ولو أنها احتضنت قضية الأمة العربية كلها، وكانت التعبير عنها في مرحلة أساسية من مراحل التحرر العربي والنهوض ، ومن مراحل تاريخها، فإنها كانت ثورة بمصر وبعبدالناصر، كحلقتين قويتين من حلقات تركيبها وتكوينها. وبعد أن ذهبت قيادة عبد الناصر دون أن تخلف بديلاً لها وفي مستوى دورها وفعلها، تحركت الثورة المضادة من داخل مصر وخارجها، بل ومن داخل النظام الناصري نفسه، لتضرب الحلقة الثانية ، ولتجهض مشروع عبدالناصر في الثورة العربية الشاملة.إنها قوى الثورة المضادة من أعداء التقدم وأعداء تحرر الأمة ووحدتها، كانت دا ئماً موجودة وأمام كل عثرة من عثرات الثورة وأمام كل مأزق من المآزق التي مرت بها. كانت تتهيأ للانقضاض، ولكن وجود عبد الناصر والتحام حركة الجماهير به كانت تقف سداً في وجهها . لقد تهيأت للأنقضاض عند حرب السويس، وكذلك عند انفصال وحدة مصر وسورية . ولكن ذلك ما كان ليعطي إلا دفعاً جديداً للثورة ، ونقلة نوعية جديدة ، إلا أن قوى الثورة المضادة استطاعت أن تجد رصيداً لها داخل نظام حكمه أيضاً ، ومن خلال ثغرات في تكوينه وفي تركيبه الاجتماعي ومن قصورات ديمقراطية فيه. ومحاولة الانقضاض من داخل النظام لم تأت بعد غياب عبد الناصر فقط ، بل وجاءت عندما اهتز النظام واهتزت ثورة عبد الناصر، بل وثورة الأمة العربية كلها وما بيتت عند هـزيمة حزيران (يونيه)، وعبّرت عن نفسها في تلك المؤامرة العسكرية التي استجر إليها المشير عبد الحكيم عامر على رأس زمرة من قيادات الجيش المهزوم والأجهزة المتواطئة ، والتي تحركت في 11 حزيران (يونيه) للاستيلاء على الحكم ووقف في وجهها عبد الناصر بلا جيش، وإنما بحضوره وبحركة الجماهير العظيمة التي رفعته من ! جديد في 9 و 10 حزيران (يونيه) .إن الكثيرين ممن كتبوا وبحثوا وأعطوا تقييمات لمرحلة عبد الناصر ولتجربته الثورية وقفوا عند الهزيمة ، هزيمة حزيران (يونيه) ، وأوقفوا ثورة عبد الناصر عندها، واعتبروها هزيمة لها، وإن اختيار الحرب لم يكن كاشفاً لثغرات فيها وثغرات نظامها فحسب ، بل وهزيمة لبرنامجها ونهاية وقفت عندها تلك الثورة .والواقع أن تلك الهزيمة واختيار الحرب ، بالشكل الذي جاءا عليه، كانا اختباراً قاسياً وخطيراً لعبد الناصر وثورته، كاد يسقطه ويسقط نظامه، ولكن الجماهير التي تحركت في 9 حزيران ، في مصر أولأ ثم في أرجاء الوطن العربي الكبير، وقفت حائلاً دون هزيمة عبد الناصر وهزيمة ثورته ، وأحبطت حركة الثورة المضادة ، وأعادت عبدالناصر إلى موقع القيادة . لقد ذهل الكثيرون ، ولكن من غير العرب، في أن يروا جماهير أمة بأكملها تقف مثل هذه الوقفة وتسير وراء قائد خسر الحرب ، ذلك أنهم لم يدركوا طبيعة الرابطة والعلاقة الثورية التي قامت وتوطدت بين جماهير الأمة وعبدالناصر، وأن حضوره في تلك المرحلة أصبح وكأنه من مستلزمات استمرار ثورتها بل ومن مستلزمات تاريخها.إنها واحدة من المواقف القليلة التي وجد فيها عبد الناصر الجماهير أمامه لا وراءه ، بل وعندما كانت الجماهير تطالبه بالعودة لقيادة ثورتها، كانت أمامه. وهذا ما استوعبه عبد الناصر كلية، واستجابته لإرادة الجماهير في العدول عن استقالته، أخذ بها كإرادة للجماهير في التغيير، وفي تجديد حيوية الثورة وتصحيح مسارها.إننا نعيش اليوم، وبعد أربعة عشر عاماً من " حرب الأيام الستة " مرارة الهزيمة بكل أبعادها ليسود هذا الجو من التمزق الرهيب الذي تعيشه أمتنا ضياعاً عن أهدافها، وعجزاً عن التصدي لآثار تلك الهزيمة ذاتها. فتلك الهزيمة كشفت ، حتى العظم، عن ضعف ما بناه التقدم العربي ، بل عن ضعف بنيان نظام عبد الناصر الذي كان متقدماً على كل ما عداه من النظم العربية. ولكننا نظلم ثورة عبد الناصر ونظلم تاريخ أمتنا إذا ما وقفنا بتلك الثورة عند تلك الهزيمة أو عند هذا التردي الذي آلت إليه أوضاعنا العربية اليوم وأغفلنا تلك المرحلة التي جاءت في أعقاب الهزيمة مباشرة ، ورداً عليها، وإذا أغفلنا النهج الذي سار فيه عبدالناصر تصدياً للهزيمة ونتائجها، وحفاظاً على مكتسبات الثورة وأهدافها . وحري بنا أن نقول عن عبد الناصر بهذا الصدد ما قاله في كلمته التي ألقاها بمناسبة ذكرى الثورة في 23 تموز في أعقاب الهزيمة مباشرة : " إنني أثق أن أجيالاً قادمة سوف تلتفت إلى هذه الفترة وتقول : كانت تلك من أقسى فترات نضالهم، لكنهم كانوا على مستوى المسؤولية وكانوا الأوفياء بأمانتها... " .ولكن الهزيمة، ثم عودة عبدالناصر إلى قيادة الأمة من جديد تحت شعار " إزالة آثار العدوان " الذي رفعه عبد الناصر شعاراً مرحلياً لمعركة " لا بديل عن النصر فيها " أدخل الثورة الناصرية في طور جديد، ووضعها أمام تلك المهمة المرحلية التي أصبحت متقدمة على كل ما عداها من المهمات ، وكأنها رهنت تلك الثورة لها ، وأوقفتها عند إنجازها، لتقوى على تثبيت استمراريتها من بعدها . ولكنها أيضاً، ومن خلال ذلك الهدف المحدد الذي حصر عبدالناصر مهمته التاريخية في تلك المرحلة بإنجازه ، فقد كان مطالباً بمراجعة مساره الاستراتيجي كله .إن الجيوش قد هزمت في الحرب ، ولكن إرادة الأمة لم تهزم ... هذا هو المؤشر الذي استمده عبد الناصر من حركة الجماهير عندما عاد إلى موقع القيادة ، وراح يجدد المسار واعتبر أن تلك الهزيمة مسؤوليته من خلال موقعه القيادي الذي كان يحتله في نضال الأمة ، وأن إزالة آثار تلك الهزيمة أصبحت مهمته الأولى التي لا بد له أن يحمل أعباءها كلها، ثم يكون بعد ذلك، حكم الأمة عليه وعلى ثورته، وحكم التاريخ .وموقفه منذ العاشر من حزيران (يونيه) لعام 1967 يمكن أن يتلخص بكلمات : لقد قاد الأمة وهزمت في معركة حربية، وأعادته الأمة إلى قيادتها فلا بد أن ينتصر. وصب كل جهده وبكل ما يطيق انسان وبكل ما يفكر ويعمل ويقوى ، على أن يجعل الهزيمة معركة في حرب لم تتوقف ولم تنته ، والانتصار في تلك الحرب أصبح الضرورة التاريخية التي لا بديل عنها، وليس لاسترجاع الارض المحتلة واجلاء العدو عنها فحسب، بل تاكيداً لقضية ثورة الأمة ولاستمراريتها وقدرتها على انجاز مهماتها وتحقيق أهدافها.لقد ظل عبدالناصر هو نفسه من حيث توجهه العام الفكري والسياسي ، الوطني والقومي والاشتراكي، ومن حيث مبادئه ومنطلقاته، ولكنه انتقل نقلة نوعية الى طور جديد، وأضاف وأصبح شيئاً جديداً وتسلح بخبرات جديدة . لقد ظل الثورة ، ولكنه أصبح عقلنة الثورة وعقلانيتها التي تضع كل شيء على محك الواقع الملموس وعلى محك الجدوى .كان مسار عبدالناصر، كما قال في كثير وكثير من المرات، التعلم من التجربة والخطأ. ولكن بعد الهزيمة لم يعد هناك أمامه من هامش كبير للخطأ ولا من مجال للتجربة ، فالممارسة لا بد أن تخضع لمنهجية واضحة كل الوضوح وأن تكون حساباتها دقيقة سواء في التخطيط أو في التطبيق والعمل .وتقدم عبدالناصر بعد الهزيمة، وبجهد خارق لا يقبل التردد والكلل، تقدم على طريق بناء قوة مصر وصمودها، جدد بناء جيشها وتسليحه وتدريبه وترسيخ قوته ، وزج في صفوفه بكل خريجي الجامعات وكل الكفاءات المتاحة، ونقله أيضاً نقلة نوعية . وجدد بناء الدولة والنظام وأسقط ما قوي على اسقاطه من داخله، من ترهل ومواقع قوى وأجهزة مخابراتية ومعوقات . وصمد بالاقتصاد رغم الخسائر الكبرى ، وعزز حركة الا نتاج وأعطى لحركة الجماهير حيزاً أوسع من الرقابة على الدولة ومن الدفع بها. ولو أن وعد " الديمقراطية السليمة " ظل وعداً مؤجلاً في جوانب عديدة منه، والى أن ينكسر العدوان . لقد أحدث تغييرات في إطار التنظيم السياسي والتنظيمات الشعبية والحكومية والمجالس وأبقى المجالس واللجان بحالة انعقاد الى أن تنتهي المعركة ثم يأتي التقييم والحساب والتغيير الثوري .بل وعندما تحركت مظاهرات العمال والطلاب في وجه النظام في أواخر شباط ( فبراير) لعام 68 ، احتجاجاً على ضعف الأحكام التي صدرت بحق العسكريين الذين تسببوا بهزيمة حزيران (يونيه)، واصطدمت مع قوات الأمن ، لم يقف ليندد بتلك التحركات الشعبية ، بل اعتبرها دليل صحة وعافية ولو أنه كشف عن طبيعة بعض القوى المضادة للثورة التي تحاول ان تستغل هذه الاجواء في ظروف الحرب ونادى " لا يجوز أن تقع الثورة في تناقض مع الجماهير صاحبة الحق في الثورة وصاحبة المصلحة الحقيقية في الثورة أو أن تقع في تناقض مع العمال أو الطلبة أو مع جماهير الشعب العامل ... " بل وجد في ذلك التحرك الشعبي دليلاً على أن جماهير 9 و 10 حزيران ( يونيه) ما زالت يقظة وتطالب بالتغيير وتطالب بالحساب ومضى على طريق التغيير وعلى طريق المعركة، وقدم ترجمة عملية لذلك في بيان 30 آذار (مارس) ، الذي جاء برنامجاً مرحلياً لانجاز المهمات الضرورية واللازمة لتحقيق الهدف المرحلي، هدف إزالة آثار العدوان .ولكن بيان 30 مارس كما جاء محدداً بذلك الهدف المرحلي الذي وضعته الهزيمة على طريق الثورة، ظل منهاجاً مرتبطاً كل الارتباط بالبرنامج الاستراتيجي الأساسي للثورة ، وهو البرنامج الذي نص على منطلقاته ومقوماته وأهدافه " ميثاق العمل الوطني " .لقد أصبح منهاج " ازالة آثار العدوان " في تلك المرحلة معياراً للثورة يحكم مسارها ويراجع ويعدّل في عدد من مواقفها وانجازاتها، ولكنه ظل منهاجاً في الخط الأساسي للثورة ، يرصد بعدها التاريخي العام والتزامها بأهداف الأمة. وكما قال عبدالناصر في خطبته التي افتتح بها " مجلس الأمة الجديد " في 30 كانون الثاني (يناير) عام 1969، نعمل سياسياً ونناضل عسكرياً لدحر العدوان ونظل دائماً تحت نفس الأعلام التي وقف تحتها نضالنا الوطني والقومي... مهما حاولت قوى الاستعمار... ومهما حاولت قوى الاستغلال... ومهما حاولت اسرائيل أداة هذه القوى كلها ... سوف نظل دائماً تحت علم التحرير. وسوف نظل دائماً تحت علم الاستقلال الوطني . وسوف نظل دائماً تحت علم الوحدة العربية. وسوف نظل دائمأ تحت علم الاشتراكية. وسوف نظل دائماً تحت علم عدم الانحياز..." .ولقد وقف بعد ذلك بأيام ، ليقول في 29 كانون الثاني (يناير) عام 69، في افتتاح المؤتمر الرابع للاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب : " إن الأرضية الأصلية وراء الصراع العربي الاسرائيلي هي في الواقع وعلى وجه الدقة أرضية التناقض بين الأمة العربية... وبين الاستعمار... وفيما مضى كان سلاح الاستعمار ضد الأمة العربية هو سلاح التمزيق . وبعد حربين عالميتين تعاظم الإيمان بالوحدة العربية فقد لجأ الاستعمار الى اضافة سلاح التخويف الى سلاح التمزيق ... وسلم وطناً من أوطان الأمة العربية غنيمة مستباحة للعنصرية الصهيونية المدججة بالسلاح لكي يتم تكريس التمزيق للأمة العربية ولتحقيق تخويفها باستمرار... فضلاً عن استنزاف كل امكانيات القوة العربية ... ولقد زاد من حدة التناقض بين الأمة العربية والاستعمار ظهور الحركة التقدمية العربية بقيادة الفلاحين والعمال العرب ، الأمر الذي دفع الاستعمار الى مغامرات عنيفة ومخيفة ، عبرت عن نفسها... بحرب السويس ، ثم عبرت عن نفسها مرة ثانية سنة 1967 في ماعرف فيما بعد بحرب الأيام الستة والتي هي في الحقيقة حرب لم تنته حتى الآن".وفي هذا المجال بالذات فقد استطاع عبدالناصر أن يقف في وجه الهزيمة ويصمد لها وأن يحولها الى اندحار في معركة لحرب ما زالت متواصلة . ولقد تواصلت فعلاً ، بدءاً من حرب المدافع على السويس وهجمات الكوماندوس المصري ، وصولاً الى حرب الا ستنزاف ، وإعداداً للانتقال الى حرب التحرير. وكان في تقديرات عبدالناصر أن ينتقل الى تلك الحرب التحريرية وعبور القنال قبل نهاية عام 1970. واذا ما أشهر البعض هنا في وجهنا اعتراضاً ، حول قبول عبدالناصر بمبادرة روجرز في تموز (يوليو) من ذلك العام، واذا ما استغل ذلك القبول في حينه، كما استخدم من بعد وفاة عبدالناصر من قبل القوى المعادية لثورته للتشكيك بتصميمه القاطع على التحرير، فان ذلك القبول وفي السياق العام الذي جاء فيه، وفي إطار ممارسات عبدالناصر كلها في تلك المرحلة، الداخلية والعربية والدولية، يأخذ مكانه الواقعي كتكتيك بين جملة التكتيكات التي سار فيها عبدالناصر، وبدءاً من القبول بقرار مجلس الأمن رقم 242، لاعطاء آفاق للعمل السياسي وللتعامل مع القوى الدولية والفعل فيها، ثم كان ذلك القبول فرصة لالتقاط الأنفاس العسكرية في مهلة ايقاف إطلاق النار المحددة ، لاست! كمال الاستعداد للعبور وتقديم سلاح الصواريخ الى جبهة القتال ...وأذكر بهذا الصدد كلاماً سمعته من عبدالناصرفي لقاء كان لي معه في الاسكندرية في آب (أغسطس) عام 1969. كان موضوع ذلك اللقاء تعاون سورية مع مصر في معركتها المصيرية هذه أي " معركة ازالة آثار العدوان " وما هو مطلوب من القوى الوحدوية في سورية من مواقف ايجابية لتعزيز هذا التعاون لصالح المعركة والانتصار فيها. وما كنت بحاجة لطرح بداية السؤال : أين أصبحنا على طريق المعركة... لأرى كل شيء صريحاً وواضحاً أمامي ، فلقد كان عبدالناصر مأخوذاً بكليته للاعداد لها فكرياً ونفسياً ، وسياسياً وعسكرياً ، وبخاصة عسكرياً . والشعارات التي كنا نسمعها تتردد على لسانه في كل خطاب وتصريح ومناسبة " لا بديل لنا عن النصر في هذه المعركة... وما أخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة... " كانت مترجمة الى وقائع وانجازات وخطط ، وكان حينها يستعد لمباشرة حرب الاستنزاف وقال : " لقد نفد صبر شعبنا ، إنني أعيش مع الشعب إحساسه هذا. لقد بذلنا جهداً كبيراً لكي يصبر علينا شعبنا، اذ لا بد أن يكون إعدادنا كبيراً وكاملاً ... إن لدينا اليوم نصف مليون جندي ونيّف تحت السلاح، ولقد تدربوا وبسرعة مذهلة ووصلوا الى كفاءة ممتازة ، وسنصل بهذا الج! يش المؤهل الى مليون جندي . لقد كنت اليوم في اجتماع عسكري مشترك على مستوى القيادة العليا، إن تقدير قيادة أركان جيشنا، وكذلك تقدير الخبراء السوفيات الذين يشاركوننا ، أن جيشنا قادر اليوم على خوض معركة ناجحة ضد اسرائيل واجتياز القنال إلى الضفة الشرقية، ولكن المسألة لا يمكن ان تتوقف عند معركة محدودة ( كما كانت تتحدث بعض الصحف ذلك الحين) ولا عند اجتياز القنال . ان معنويات جنودنا وضباطنا رائعة ويريدون القتال ، والشعب يدفع بقوة ويريد، ولكن المعركة لا بد ان تمضي في طريقها كحرب تحرير، وأن تواجه مختلف الاحتمالات السياسية والعسكرية لعدونا الاسرائيلي ومن وراءه. إنني ما زلت بحاجة ، وفي المسار الذي نحن عليه الى سنة أو سنة ونصف تقريباً لاستكمال مستلزمات هذه الحرب، وكذلك للاستفادة من دعم أصدقائنا السوفيات والسير بهم الى التزام أقوى بمعركتنا هذه في مواجهة التزام أميركا باسرائيل ، ووجودها العدواني على أرضنا... ولكن هذه المدة من الاستكمال لن تكون مجرد إعداد وانتظار، بل سنشن فيها حرب الاستنزاف ، إن هذه الحرب الأولية ستؤهل جنودنا اكثر وتحافظ على جاهزيتهم القتالية، كما ستشد جماهير شعبنا من الداخل! ، وجماهير الأمة العربية دفعاً على طريق المعركة واستمراريتها الى أن نح قق هدفنا كاملاً ... " .وفي ذلك الحديث، كما في كل المواقف والأحاديث ، كان تصميم عبدالناصر قاطعاً . وكان تطلعه المستقبلي وتطلعه لاستمرارية الثورة ولأهداف الأمة، من خلال إنجاز تلك المهمة، مهمة الانتصار في حرب " إزالة آثار العدوان " .كذلك كان موقفه في تلك المرحلة، عندما يطرح عليه الكثير من المسائل والقضايا الكبرى ، كمسائل الوحدة مثلا ، أو مسألة الثورة الفلسطينية وفصائلها، أو مسائل وحدة قوى الثورة على المستوى القومي، ووحدة أداة تلك الثورة.ولكن عبدالناصر، ومن خلال موقعه القيادي ومسؤولياته، اذا ما ظل محاصراً في تلك المرحلة بذلك الهدف المحدد، واذا ما حصر همه بإعادة بناء جيش مصر المقاتل ، وببناء صمود المجتمع المصري من ورائه ، وبالفعل في السياسة العربية والدولية لصالح ذلك الهدف ، فانه لم يضع قيداًً بذلك على حركة القوى الثورية العربية الأخرى في أن تعمل لما هو أكثر من ذلك الهدف أو لما سيكون بعده. فعبدالناصر ولو أنه أراد تحديد دوره في تلك المرحلة بازالة آثار العدوان ، فان الدور التاريخي الذي أعطته له جماهير الأمة ظل يحاصره ويطالبه بما هو أكثر، وموقفه من المقاومة الفلسطينية واضح وصريح في هذا المجال . فمنذ البداية وفي مرارة الهزيمة، وجد في صعود النضال الفلسطيني المقاوم، وبخاصة في عمليات حركة فتح ، ومضة رائعة من ومضات الأمل ومن التأكيد على الحيوية الثورية للأمة وعلى استمرارية الكفاح من أجل القضية... ولقد وجد أن من الطبيعي بل ومن الضروري أن ترفض المقاومة ويرفض الفلسطينيون ما قبلته مصر من قرارات مجلس الأمن ، وأن لا يوضع أي قيد على حركة المقاومة ونضالاتها ، وما كان يريد لها الا ان تصمد وتستمر وأن تكون بحق طليعة متقدمة من ط! لائع الثورة العربية، وليس دفعاً على طريق " إزالة آثار العدوان " ، فمهمتها لا تتحدد بهذا الهدف، بل ولما بعد ذلك ولما هو أبعد من ذلك بكثير. ولقد ظل ثابتاً عند هذا الموقف من المقاومة، رغم الكثير من الانتقادات والتجريحات التي نالته من بعض عناصرها وفصائلها، ورغم تحريضات تلك العناصر العنيفة ضده والتشكيك بمساره . وبخاصة عند قبوله مبادرة روجرز، وهو لم يسكت صوتها الاذاعي في القاهرة لفترة الا بعد أن أصبحت تحريضاً ضده داخل مصر ذاتها ، وعندما وقعت الواقعة مباشرة بعد ذلك وحل أيلول الأسود، كانت له وقفته المشهودة في الانتصار لها ، وكان إرهاقه من تلك الأحداث الدامية وعذابها ، الطعنة الأخيرة التي وجهت لقلبه فقضى .ومثال آخر: موضوع الوحدة العربية والدفع على طريق خطوات وحدوية . فلقد كان شاغله الوصول في تلك المرحلة الى أقصر ما يمكن الوصول إليه من التماسك العربي في وجه مخططات أعداء الأمة، وتوظيف كل ما يمكن توظيفه من طاقات الأمة الجاهزة لصالح المعركة واسكات كل ما يمكن اسكاته من تناقضات أمام ذلك التناقض الخطير بين مصلحة الأمة ككل ، وبين عدوها الاسرائيلي المحتل لأرضها والحلف الصهيوني- الامبريالي المساند له. وكثيراً ما كان قادة النظام السوري ذلك الحين يطرحون عليه في لقاءات التنسيق معه تمنيات تتعلق بموضوع الوحدة والقيام بخطوات وحدوية بين مصر وسورية. وكان يجيب : " دعونا الان نعمل للمعركة وللتنسيق من أجلها ولوحدة القوة فيها، وأخشى أن يؤدي فتح ملف الوحدة الى إثارة تناقضات نحن بغنى عنها الآن " . ولكن هدف الوحدة، وقوة الوحدة لم يغيبا عن فكره واستراتيجيته الشاملة يوماً ، بل وعندما جاءت ثورة الفاتح من سبتمبر (أيلول) في ليبيا كومضة ضياء جديدة في أيام النكسة، ورافداً جديداً للنضال العربي ، أصبح من اهتماماته الكبرى أن ينجح نظام تلك الثورة ويثبت ويقوى . ولقد جاءت الثورة الليبية منذ بدايتها تطرح عليه قضية! الوحدة ، وكان في ذلك بعض الارباك لعبدالناصر ولخط سيره في مواجهة ضرورات المعركة، وأراد لتلك الثورة أن تصلّب عودها في البداية بنفسها . ولكنه عندما جاء لزيارة ليبيا في حزيران ( يونيه) عام 1970 بمناسبة احتفالها بجلاء القوات الأميركية عن قاعدة " عقبة بن نافع "، وتعرف عن قرب الى ما تواجهه القيادة الثورية الفتية من مصاعب ، فان تخوفه على تلك الثورة فرض عليه أن يفكر بالحل الوحدوي . لقد كان رئيس الجمهورية السورية ذلك الحين ( الدكتور نور الدين الأتاسي) موجوداً معه بتلك المناسبة في ليبيا ، وأرسل عبدالناصر يوقظه من نومه قبيل الفجر ( وبعد اجتماع طويل لعبدالناصر مع قيادة الثورة الليبية حتى ذلك الوقت) ليطرح عليه موضوع الوحدة واقامة اتحاد ثلاثي بين مصر وسورية وليبيا . لم يرد عبدالناصر أن ينفرد بوحدة مع ليبيا، لما يمكن أن تعطيه تلك الوحدة من انطباعات في بسط الهيمنة المصرية عليها. وأخذت الحماسة ليلتها مأخذها بالجميع، وذهبت الاستعدادات الفورية لتنقل في طائرة واحدة الرؤساء الثلاثة صباح اليوم التالي ( وكان يوم جمعة) ليصلوا صلاة الجمعة في المسجد الأموي ، وشكلت لجنة متابعة. وسافر بعدها عبدالناصر ! مباشرة الى الاتحاد السوفياتي . وكان من أخطر الموضوعات التي طرحها على ا لزعماء السوفيات في لقائه الأخيرمعهم، فضلاً عن مواضيع التسليح وشبكة الصواريخ والمواقف الدولية ، موضوع الوحدة، فلقد كان يهم عبدالناصر، أن يكون هذا الأمر وضروراته واضحاً أمام السوفيات وأن يكون موقفهم ايجابياً منه، وأن لا يعطي أي انعكاس سلبي على مساندتهم لعبدالناصر وللأمة العربية في معركتها ضد العدوان، ولقد كان التفهم السوفياتي جيداً والاستجابة معقولة . وعاد عبدالناصر، وظل للمعركة أولاً، وأعلن في 23 تموز (يوليو) قبول مبادرة روجرز وقبول وقف اطلاق النار ثلاثة أشهر. وذهب عبد الناصر، وأخذت المطامح والمطامع فرصتها، وتقدمت في الساحة ولكن على طريق غير طريق عبدالناصر، ووضعت نفسها في تعارض مع حركة الجماهير بل وفي تصادم معها غالباً ، وليس في تفاعل معها ومع طموحاتها.***هذا تاريخ أمتنا وقيادة عبدالناصر كانت قمة فيه، ومن بعدها كان الانحدار الذي لم يتوقف . ومن قبل عبدالناصر كانت هناك مقدمات وانجازات على طريق النضال القومي، وأمسك عبدالناصر بتلك المقدمات والانجازات كلها ، وصاغها فكراً وممارسة وعملاً ، صياغة نهضت بالأمة وتقدمت بثورتها مراحل وخطوات . وكانت هزيمة حزيران (يونيه) الامتحان الرهيب الذي كاد يسقط تلك القيادة ويسقط تجربتها الثورية . شيء واحد بقي وقتها في الساحة هو القوة العفوية لحركة الجماهير، تلك القوة الثورية التي وقفت في وجه السقوط ووجه الهزيمة وأعادت عبدالناصر ليتابع مهمته التاريخية، وقد حدد مهمته المرحلية بعدها بازالة آثار العدوان ، وقضى قبل إنجاز هذه المهمة . والجماهير الهائلة التي رفعته من السقوط هي نفسها التي مشت تشيع جثمانه منادية بتصميم واحد " حنكمل المشوار " ... ولكن المشوار انقطع فالجماهبر تفرقت ولم تجد أمامها من يحشدها من جديد على طريق أهدافها ، ولم تجد من يواصل بها المسار. ذلك أن طريق عبدالناصر كان قد انقطع أيضاً بغيابه ، لأن حضوره كان مقوماً أساسياً من مقومات ذلك الطريق، ووجوده كان يشد ثورية الجماهير الى الأمام . وذلك أن ع! بد الناصر هو الذي صاغ تلك العلاقة الحية بينه وبين جماهير الشعب، وكان يندمج بأحاسيسها ومطالبها بحيث يكاد يتوحد معها، وبهذا التعامل معها كان يحس نبض حياة الأمة وتاريخها، ويتعامل مع حركة التاريخ . وفي وجه من ينادون المعلم والقائد كان يقول دائماً : الشعب هو المعلم والشعب هو القائد، ما كان يقول لقد فعلت وأنا حققت ، بل كان يقول ارادة الشعب حققت والشعب هو الذي طور المبادىء و" لقن طلائعه أسرار آماله الكبرى ... وأقام من وعيه حافظاً لها ... ".ما أراد عبدالناصر أن يمارس ذلك الدور الأبوي الذي تتسم به وتفرضه على جماهير شعبها الدكتاتوريات الشرقية السائدة في الأقطار المتخلفة ، بل كان ينادي " إرفع رأسك يا أخي... " وما كان يخاطب جماهير الشعب بيا أبنائي ... بل كان خطابه دائماً أيها الأخوة المواطنون ... ". وفي وقفته الأخيرة مع الشعب ، وفي آخر كلمة خاطب بها جماهير الأمة ، عبر منصة المؤتمر القومي للاتحاد الاشتراكي في 26 تموز (يوليو) عام 1970، تلك الكلمة التي وصفت بأنها كانت ما يشبه " الوصية " أعطى شهادة للتاريخ عن محصلة النضال الثوري لشعبه ، بل عن محصلة نضاله هو بالشعب ومع الشعب ومن أجل قضية الأمة، وعن محصلة تجربته الثورية حيث قال :"... ويضاعف من قيمة المكتسبات الهائلة في ضمير الشعب المصري ، أن تجربته التاريخية كانت على مر العصور أوسع من مصلحته الذاتية ، وأكبر من حدوده السياسية وذلك بحكم انتمائه العضوي إلى أمة عربية تعيش في قلب العالم جغرافياً وحضارياً . ولست أريد ان أعود الى الماضي وصفحاته المشرقة، وانما يكفينا استعراض ما لا يزال حياً في أذهاننا منذ اليوم الذي ارتفعت فيه أعلام ثورة 23 يوليو... إن الشعب المصري تحت أعلام هذه الثورة رفض السلامة عن طريق الانعزال ، ورفض الأنانية برفض كل مغرياتها الوقتية ، لقد جعل قضية أمته قضيته ، وعاش النضال من أجلها بحياته، وكان في ذلك يصدر عن وعي بمسار التاريخ لم يساوره فيه شك أو تردد، أثبت أبناء هذا الشعب دائماً أنهم الأمناء ... الأمناء بالكلمة... والأمناء بالفعل ... لم تكن الحرية والاشتراكية والوحدة بالنسبة له كلمات وانما كانت الحرية والاشتراكية والوحدة بالنسبة له أعمالاً ، بل كانت كلها بالنسبة له قتالاً . وليس هناك علم شريف يرفرف على الأرض العربية الا وكانت يد الشعب المصري أول الأيدي التي امتدت لتساعد على اقامته . وليست تعنينا في ذلك شهادة أي فرد وانما تعنينا في ذلك! شهادة التاريخ مبرأة من العقد ومن الأهواء ومن التحزب ومن النسيان " ...تلك كانت محصلة مرحلة عبدالناصر، وكان شعب مصر بعبدالناصر، وكان عبدالناصر بشعب مصر بل بشعوب الأمة العربية المتطلعة الى وحدتها كلها. ولكن عبدالناصر، وكما قال أحد الكتاب اليساريين العرب " وصل بجماهير مصر وجماهير الأمة العربية الى منتصف الطريق ثم قطعها... وصل بها الى مستوى جديد من الوعي السياسي الوطني والقومي بل والتقدمي الاشتراكي ، ولكنه لم يصل بها الى انضاج تجربتها الديمقراطية في بناء تنظيمها وعلاقاتها ولم يصل الى إكمال الأيديولوجية التي تطابق واقعها وثورتها، وترسم بوضوح مسيرتها الى أهدافها. والقطيعة أو الانقطاع جاءا من حيث أنه لم يبن الضمانة ولم يبن البديل الذي يواصل المسار بوجوده ومن بعده . لم تكن تلك ارادته، أي أن يكون في موقع البديل دائماً ، وفي موقع الأبوية والاتكال عليه ولكن هكذا جرت الأمور، ولمجريات الأمور أسبابها وقوانينها، ولكن الوقائع استقرت على أن تظل ايجابيات عبدالناصر في مسار تجربته هي ايجابيات تقدم الأمة، وعلى أن تكون الثغرات التي خلفها من حوله ومن بعده ، هي الثغرات التي نفذت منها قوى الثورة المضادة ، ومنها دخل الارتداد والتحول عن طريق عبد الناصر وطريق ثورة الأم! ة الواحدة .لقد أشار عبدالناصر أكثر من مرة الى واحدة من تلك الثغرات في تجربته ونص على ذلك في الميثاق بقوله "... إن هذا الشعب البطل بدأ زحفه الثوري من غير تنظيم سياسي يواجه مشاكل المعركة، كذلك فان هذا الزحف الثوري بدأ من غير نظرية كاملة للتغيير الثوري " ... ولكن ما لم يقله عبدالناصر هو أنه بحضوره ، وبحركة فعله وحركة فكره ، كان يسد حيزاً من هذا الفراغ في حياة الجماهير وفي تقدم حركة الثورة . واذا ما كان لهذا الدور ايجابياته فلقد كانت له سلبياته أيضاً ، فمثل ذلك الاكتفاء بقيادة عبدالناصر وترله الأمور لمبادراتها ، كان حائلاً دون الدفع على طريق سد تلك الثغرة ، وبذلك أضعف جانبآ من جوانب بناء أداة الثورة وتنظيمها ، ليفقدها بالتالي ضمانة استمراريتها من بعده .ولكن هل كانت تلك مسؤولية عبدالناصر وحده؟ أم أن مثل تلك القصورات والثغرات مرتبطة بالظروف السياسية والاجتماعية والثقافية العامة لأمتنا التي تحرك من خلالها نضالنا الوطني والقومي وتحرك من خلالها عبدالناصر، مرتبطة بمستوى تطور الوعي السياسي والأيديولوجي للطلائع المثقفة من أمتنا وللقيادات التي تقدمت على رأس حركات النضال العربي بمختلف فصائلها وأحزابها وتنظيماتها ، وإلا فلماذا لم يأت من يسد ذلك الفراغ من بعده ، أو لماذا لم يقم البديل بوجوده؟ ذلك أن هذه القصورات كانت مرتبطة بقصورات الجانب الديمقراطي في التجربة .وهذه مسألة أساسية تستحق أن نقف عندها ، لأن الاجابة عليها هي التي تضعنا على طريق تكملة ذلك " المشوار " الذي انقطع ، " مشوار" الثورة العربية الذي مضت فيه قيادة عبدالناصر بنهج معين ، عبر مراحل وأطوار متعددة ، وكانت له مقدماته ثم كانت له انجازاته وانتصاراته كما كانت له قصوراته وانكساراته. أي هي التي تضعنا في النهاية أمام ما تتطلبه المرحلة الراهنة - مع هذا التمزق والانتكاسالذي تمر به أمتنا- من صياغة جديدة لحركة الثورة ولمنظورها وبرنامجها وقواها . ثم إن وقوفنا على تجربة عبدالناصر بكل معطيـاتها ، لا يردنا الى مرحلة مضت وفات زمانها ، بل هو يضعنا في صميم المسائل التي نواجهها اليوم في حاضرنا وفي تطلعنا للمستقبل . والواقع أيضاً أن العديدين منّا، فى أيام عبدالناصر وبخاصة في السنوات الثلاث الأخيرة من حياته ، كانوا يتساءلون ويسألون أنفسهم ، ماذا سيحل بقضية أمتنا ووقفتنا النضالية اذا انتهى أو غاب عبد الناصر. أي أننا كنا ندرك ، لا ما يجسده حضور عبدالناصر وقيادته للأمة من ايجابيات فحسب ، بل ولما يغطي عليه هذا الحضور، بل ويموهه أحياناً من ثغرات و من سلبيات ، وما تؤدي إليه هذه التغطية في النهاية من قصورات في إنضاج الوعي الثوري والتجربة الثورية لحركة الجماهير وتنظيمها . ولكن وعي القصور لا يعني بالضرورة تداركه، لأن القصور لا يبقى محصوراً في اطار تجربة عبد الناصر وما قوي عليه ، بل هو قصور في حركة نهوض الأمة وفي تطور الوعي التقدمي لطلائعها الثقافية والسياسية : والا فلماذا بقينا قاصرين عن ملء ذلك الفراغ وتدارك ذلك التقصير بحضور عبدالناصر وبخاصة بعد غيابه؟فعبدالناصرلم يكن نسيج ذاته أو قائماً بذاته ، بل هو نسيج مرحلة في تاريخ أمتنا، وأياً ما كانت ثغراتها فلقد كانت مرحلة نهوض وتقدم . وعبدالناصر اذا ما جسد صورة نموذجية للرجل التاريخي، كما هو الأمر بالنسبة للرجال التاريخيين العظام الذين برزوا في حياة الأمم وكان لهم دورهم التاريخي ، فانه لم يأت استثناء بل تجاوباً مع ظروف أمة وتلبية لحاجتها وتعبيراً عنها ، وكما قال عبدالناصر ذاته " ما أنا الا تعبير عن القومية العربية في مرحلة من حياة الأمة... " .إن المسائل الديمقراطية كانت مطروحة في وجه النظام الذي كان يرأسه عبدالناصر في مختلف مراحل تطوره وانتقالاته الوطنية والقومية والتقدمية والاشتراكية . كانت مطروحة من اليسار ومن اليمين أيضاً بصيغ مختلفة. واذا ما غطت الشخصية التاريخية لعبدالناصر وجماهيريته وانجازاته وخطواته المتقدمة على من سواه ، واذا ما غطت في قليل أو في كثير، على القصورات الديمقراطية في نظامه وممارسات ذلك النظام ، فانها اليوم وبعد ذلك الارتداد الكبير من بعده وهذا الانكسار المتواصل لحركة الجماهير وللعمل الثوري ، تعود لتحتل مكان الصدارة كمسألة مركزية في النضال الوطني والقومي . لقد جاء عبدالناصر إلى الحكم في مصر وراء " ست رايات أو مبادىء " ، كان من بينها " اقامة ديمقراطية سليمة... " ولقد حاول عبدالناصر في مختلف مراحل تجربته أن يجد صياغة في " الدساتير المؤقتة " وفي الميثاق وفي التنظيمات الشعبية والرسمية ، لذلك المبدأ الهدف ، ولكنها كلها لم تستطع في النهاية ان تلبي الوعد الديمقراطي في تحقيق المواطنية الديمقراطية الكاملة وحرية المواطن والمساواة الفعلية بين المواطنين بعد ان أنجزت الكثير من تحقيق حرية الوطن ، هذا التحقي! ق الذي عادت وارتدت عليه هزيمة حزيران (يونيه).ولكن هل كانت مثل هذه التوجهات الديمقراطية التي نتوجه بها اليوم ، وبعد معاناة الهزيمة، ومعاناة حركة الردة من بعد عبدالناصر وصعود قوى الثورة المضادة ونظم الاستبداد المشرقي ، هل كانت توجهات أساسية وقفت عندها قوى التقدم واليسار العربي قبل مرحلة الانكسار هذه وما كشفت عنه من ضعف البنيان العربي في لحمة الوطنية الديمقراطية الأساسية؟واقع الأمر أن هذا التأكيد على الديمقراطية السياسية، كموقف أساسي ومبدئي، هو موقف جديد، ومن خلال استيعاب موضوعي لحركة تطورنا ومن خلال وعي ثوري جديد، بحيث أصبحنا نتلمس تلك الثغرات التي خلفتها وراءها حركة تقدمنا، وكانت تعبيراً عن تأخر وعينا الثوري من حيث استيعابه للمسار التاريخي لتشكل الدول القومية الحديثة، و من حيث مطابقته مع واقعنا وحاجات نهوضنا الأساسية، وما تتطلبه من تركيز ديمقراطي لبنياننا السياسي والا جتماعي قبل أي شيء آخر.إن الكثير من الثورويين كانوا يحسبون أن تلك " الليبرالية السياسية والثقافية " ترتبط بمرحلة تاريخية لنظم اجتماعية أخرى ، تخطاها نضالهم الثوري الى مرحلة تاريخية متقدمة عليها. ولكن الفكر التاريخي، أو بالأحرى المفهوم الجدلي للتاريخ وفقاً للاشتراكية العلمية ، يضعنا أمام حقيقة، وهي أنه ليس بمقدور مجتمع من المجتمعات أو شعب من الشعوب أن يتخطى مرحلة من مراحل تطور المجتمعات الانسانية، ما لم يتمثل قيمها وانجازاتها وبذلك يقوى على تجاوزها والتقدم عليها، أي بعد توظيفها في بناء حركة تقدمه.ان هذه المسألة، وعلى المستوى الثقافي بخاصة، كانت من المسائل التي شغلت المفكر العربي المغربي عبدالله العروي في مؤلفاته وبخاصة في كتابه " الأيديولوجية العربية المعاصرة " و" العرب والفكر التاريخي " التي لخصها في مقدمة كتابه الثاني بقوله : " بدأت أحس أن المشكل الأساسي الذي أحوم حوله منذ سنين هو الآتي : كيف يمكن للفكر العربي أن يستوعب مكتسبات الليبرالية قبل ( أو بدون) ان يعيش مرحلة ليبرالية؟ . وهذه المسألة التي يطرحها العروي في بعدها الثقافي والتاريخي والحضاري ننقلها الى مستواها السياسي والا جتماعي فنقول اليوم : ما هو السبيل لأن تتقدم ثورتنا العربية كثورة " وطنية ديمقراطية "، وان تبني اندماجها الوطني ووحدتها القومية ودولتها العصرية وتمضي في هذا الاطار لتأخذ بعدها الاجتماعي الجذري كثورة اشتراكية ، أي كيف لها أن تأخذ أولاً بمنجزات الثورة البورجوازية، في ليبراليتها السياسية والثقافية ، من غير أن تعيش مرحلة التطور البورجوازية وحكم الطبقة البورجوازية، ثم من غير ان تأخذ بالمنهج الرأسمالي في بناء قاعدتها في الإنتاج والتنمية؟ولقد قدمت التجربة الناصرية في مسارها جواباً على هذه المسألة ، بل لقد أعطت التجربة الثورية العربية في تلك المرحلة جوابها من خلال ممارسة عبدالناصر. وكان الجواب ، وكما كشفت حركة الردة، مقصراً عن الوفاء بالحاجة، ليعود اليوم ويطرح نفسه من خلال التقصير، لا في الدور التاريخي الذي أداه عبدالناصر، بل في بناء حركة الثورة العربية ككل .واذا وقفنا هنا عند جانب من جوانب القصور الديمقراطي في تلك المرحلة، كما ألمحنا قبل ذلك الى مسألة الأيديولوجية ونظرية العمل السياسي والثوري والوقوف دون صياغتها صياغة ملائمة، والى مسألة الحزب الثوري أي التنظيم السياسي الملتزم بالأيديولوجية الثورية والذي " يواجه مشاكل المعركة " ويدفع بحركة التغيير ويحمي من الا نتكاسة والردة ... فانها كانت قصورات وثغرات موضوعية في مسار التجربة، بل في مسار المرحلة اذ لم تقم أمامها تجربة بديلة. ولقد كانت لعبدالناصر محاولاته وأساليب قيادته في معالجة هذه المسائل، أو في سد هذه الثغرات بحضوره في قمة السلطة، وبشعبيته التي كان يشد بها الجماهير. وبقناعتنا أن مراجعة تجربة عبدالناصر في إطارها التاريخي ، ومتابعة حركة تطوره الفكري والاستراتيجي، يقدمان لنا معطيات هامة للاستدلال بها في مواجهة هذه المسائل اليوم، وعلى ضوء ما تغير في الساحة بعد ذهاب عبدالناصر.وما تغير شيء كثير، واذا كانت سلبيات قوى الثورة المضادة المتحركة بحرية في الساحة هي البادية على السطح، فثمة ايجابيات أمامها تعطي المؤشر للمستقبل ، منها هذا التوجه الديمقراطي الأساسي الذي تتوجه به القوى التقدمية العربية في حركة نضالها وفي فكرها وارادة التغيير وارادة تجديد نهوضها الثوري . ولكن منها أيضاً ، التقاء اليسار العربي بما يشبه الاجماع ، على الأهداف الاستراتيجية الكبرى لحركة الثورة العربية والتي تجد رموزها في كلمات " الحرية والاشتراكية والوحدة "، وهي بذاتها الأهداف التي وضعتنا على طريقها بالممارسة تجربة عبدالناصر، أيا ما كانت ثغراتها، و أياً ما كانت التشويهات التي نالت منها والانحرافات والردات التي جاءت بعدها.ولكن تجربة عبدالناصر ومرحلته، أياً كانت حركة المراجعة وأياً كانت الانتقادات التي توجه إليها، تبقى تجربة غنية جداً ومرحلة نهوض . وإذا كانت ثورتنا العربية تمضي مراحل وأطواراً ، فيها النهوض وفيها الانتكاس ، فاننا حين نأخذ بفكرة استمرارية الثورة وضرورتها ، لا بد أن نأخذ أيضاً من تلك التجربة انجازاتها كمكتسبات لنا ونقاط استناد . فالبناء الثوري يأتي في سياقه التاريخي ، ولا يعود لنقطة البداية أو يبدأ من الفراغ . ثم إن تجربة عبدالناصر هي التي أبرزت أكثر من غيرها ماهناك من خصوصية في حركة الثورة العربية ، وشدّت الآخرين للتطابق معها .واذا ما بلور عبدالناصر مهمات الثورة العربية وأهدافها في صياغة استراتيجية مرحلية معينة قوامها بداية " الوطنية " فلقد طالب أن تكون نظريتها في النهاية ابداعاً لا اتباعأ، وطالب بثورة ثقافية لتكمل الثورة السياسية والاجتماعية ولتخلق المناخ المواتي للابداع الفلسفي والنظري ، ولتضع الثورة في سياق فكرها التاريخي ونهوضها الحضاري .والمطالبة اذا لم تكن انجازاً فانها تبقى تعبيراً عن وعي وحاجة... واذا كان الجو السائد اليوم في حياتنا ومن حولنا هو التشتت والضياع لا جو التوحد والابداع ، فلا آقل من أن نعود لتثبيت المرتكزات التي تجمع من حولها شتاتنا وهي مرتكزات تظل تقدمها لنا تجربة عبدالناصر أكثر من سواها
.يتبع

الاثنين، 7 سبتمبر 2009

بيروت عاصمة ثقافية

بيروت عاصمة ثقافية ولكل العرب
ونذهب إليها بأفكار وذكريات بيروت أُعلنت عاصمة ثقافية ولكل العرب هذا العام، ونحن مدعوون للتوجه إليها بأفكارنا وحكاياتنا الثقافية. إلا أنها كانت بالنسبة لنا وتبقى عاصمة ثقافية ولكل عام، وملاذاً لحرية الكلمة والفكر ـ عندما تُحاصر حرية الكلمة ويُحجز الرأي الآخر في هذا الموقع العربي أو ذاك ـ ونافذة نطل منها بحرية على عالم المعرفة في الغرب والعالم، أخذاً وعطاء. وأنا مع المؤرخ العربي الدائب عليها الدكتور نقولا زيادة حين يؤكد في "لبنانياته" أن بيروت هي أعجوبة في دنيا العرب، وإنها لتبقى بالفعل تلك الأعجوبة، فيما تتفتح له اليوم من جديد وتتقدم، بعد كل ما توالى عليها من أحداث مدمرة، وما آلت إليه دنيا العرب...ما أنا بالشاعر لأنظم فيها قصيدة وكم غنّى بيروت من شعراء، ولا أنا بكاتب قصة أو رواية مع كل ما كان لنا مع بيروت وفي بيروت من قصص وحكايات تُروى. ولا لدي لوحة رسام أهديها ولا من عمل فني أقدمه، فأنا لم أمارس من الفنون إلا فن الممكن، أي السياسة كما تسمى، والفكر السياسي الذي يهتدى بالمعرفة ويدفع للعمل ويتطلع لأهداف يمكن بلوغها. ولكن ما العمل اليوم بعد أن صار ذلك الممكن الذي حسبناه في مرحلة خلت على أنه أهداف قريبة المنال، صار في نظر الآخرين بحكم المستحيل، بعد أن تألبت ما تألبت على أمتنا من أحوال، وتحولت إلى ما تحولت إليه أنظمتنا القطرية، لتسدّ في وجه شعوبها طريق الحرية والمستقبل، ولتبقى لنا في بيروت هذه، فسحة من الحرية نذهب إلى ملتقياتها الثقافية وإلى ندواتها ومؤتمراتها، نرفع فيها أصواتنا بنداءات الديمقراطية والاستقلالية وتقدم مجتمعاتنا المدنية، فهل هذا الذي بقي لجيلنا أو تقف عنده طموحاتنا الثقافية، أم أننا التمهيد والتبشير ببعث عربي ووعي قومي وجيل جديد ينهض من أكثر من موقع عربي، ليعود ويجعل ذلك الذي سموه مستحيلاً ممكناً...؟تلك نداءاتنا من بيروت وهي ليست بنت المناسبة، ولكنني وفي هذا المناسبة، أردت أن أعود وأستدل إلى بيروت، بما قاله فيها وما ناداها به شعراؤنا المبدعون، حين يختصر الشاعر في شطر ما يقوله الكاتب في مقالة، فوقفت عند تلك الملحمة الشعرية التي جاء عليها الشاعر محمود درويش في "قصيدة بيروت" والتي يلخصها ذلك النداء، نداء المقاوم الفلسطيني الذي يتكرر كل مقطع : بيروت خيمتنا، بيروت نجمتنا بيروت خيمتنا الأخيرة، بيروت نجمتنا الأخيرةحتى إذا ما ذهبت أتقصى حديث بيروت في أشعار نزار القباني، وجدتني عند توصيف من لون آخر لبيروت، حين يقول لوعته بفقدان بلقيسه التي قتلت تحت التدمير الذي نزل ببيروت، لتصيح القصيدة: بيروت تقتلنا وتبحث كل يوم عن ضحية...بهذا خاطب بيروت شاعرنا المفجوع، ولكن بيروت هذه ما كانت أيام مصرع بلقيس إلا الضحية، حين حولها المتحولون لعاصمة لتفجر الأحقاد والكراهية، وحين توالت عليها صراعات كل العصبيات والطوائف العربية، في تلك الحرب التي سموها أهلية، والتي استهدفت أول ما استهدفت سد تلك المنافذ إلى الحرية والثقافة الحرة وإلى أن تكون بيروت مرتعاً لمن يذهبون إليها ويرفعون صوتهم فيها بمواقفهم وأفكارهم الحرة من العرب.ولكن بيروت ما كان لها دائماً هذه الصورة الواحدة في وجداني وفي معايشتي لها وللمتغيرات التي مرت علينا وعليها. وإذ يقول الدكتور نقولا زيادة في "لبنانياته" أن محبته لبيروت لمئة سبب وسبب، فأنا ما قلت إلا واحداً من أسبابي وهي عديدة أيضاً. ولكن الدكتور زيادة ما قال حبه الوافر لها إلا عن خبرة طويلة وقد عاشها وعاش فيها على التوالي خمسون عاماً. أما أنا فما سكنتها وعشت فيها إلا لعام دراسي واحد ثم جفوتها لمدة، بعد أن جاء لقائي الأول معها صاداً وما أشعرتني وقتها إلا الغربة فيها، وما استطعت التكيف مع أجوائها أو بالأحرى الأجواء التي وجدتني فيها. فلتكن قصتي التي أقدمها بالمناسبة عرض لبعض من ذكريات علاقتي الأولى تلك مع بيروت ثم ما تغير بعدها.كان ذلك طوال العام الدراسي 39/40، أي العام الأول من الحرب العالمية الثانية، حين انتقلت إلى بيروت بعد إنهاء دراستي الثانوية في دمشق، لأبدأ فيها دراستي الجامعية. ذهبت إلى بيروت وأنا أحمل روحاً وطنية وعروبية متشددة ضد الانتداب الفرنسي وضد ما أورثتنا عهود الحكم العثماني من تخلف وعصبيات، فضلاً عن تجربة حافلة من الإضرابات والنضالات الطلابية والشعبية، إلى أن قامت الحرب وما فرضته ظروف الحرب. وفي بيروت، وجدتني بين جماعات وفي ذلك المجتمع من حولي، في أجواء مختلفة متعارضة كل التعارض مع ما كنت أحمله من مشاعر وقناعات، وجدتني بين عشيرتين من الناس وبينهما شرخ لا تجسره رؤية قومية أو وطنية صحيحة. فهذه عشيرة مسيحية ترى في الانتداب الفرنسي لا استعماراً وإخضاعاً، وإنما حامياً وسنداً بل وهوية أيضاً وانتماءً إلى الغرب، وأناسها عافوا العربية فلا يرطنون بها إلا مزيجاً من العامية اللبنانية والفرنسية، وكانت كلمتهم المأثورة هذه أمنا الحنون فرنسا. وبالمقابل كانت هناك عشيرة بل عشائر إسلامية مازال يشدها الحنين إلى أيام السلطنة العثمانية وتنغلق على عصبياتها وتقاليدها. وفي ظروف الحرب وما فرضت، إلى جانب تلك الأجواء المحيطة التي ذكرت، ما كان بمقدوري أن أكتشف الوجوه الأخرى لما يتحرك في بيروت وفي جوانب أخرى من مجتمعها ولدى طلائعها الثقافية والقومية. وأنهي الحديث عن تلك التجربة السلبية في علاقتي الأولى ببيروت، بلوحة واحدة مازالت منقوشة في الذاكرة لما كانت عليه بيروت يومها وما كنته فيها.كان ذلك في يوم ربيعي من أيام 1940 وأنا جالس في مقهى على الرصيف أنتظر وظهري لحائط سينما الروكسي، بينما تمتد أمام ناظري ساحة البرج (أو الشهداء) ونصبها التذكاري بينما يلوح في الأفق في سماء شاطئ البحر بالونات كبيرة تتأرجح في الجو وهي تحمل شباكاً من الأسلاك قيل أنها تدابير لحماية مرفأ بيروت من غارات جوية معادية، فيما تنتصب ورائي لوحة كبيرة تدعو للفيلم الدعائي الفرنسي الذي تعرضه السينما تحت عنوان: هل نحن محميون Sommes-nous déffendu، أما الصورة في واجهة السينما فلطائرات فرنسية مقاتلة كثيرة تملأ الجو، وللمثل الفرنسي فيكتور فرانسن يتقدم مسلحاً بلباس عسكري وأمامه ما يمثل خط ماجينو الحصين. ولكن المفارقة التي شهدتها ذلك اليوم، أن فاجأتني ضجة أخرى أخذت تجري في الساحة ومن حولنا لباعة الصحف، وهم ينادون بأخبار اجتياح جيوش هتلر لفرنسا التفافاً عليها من بلجيكا وإسقاطاً لخط ماجينو، وما كان شعوري وشعور الكثيرين من حولي يومها إلا الشماتة وما أخفيناها، وكانت عواطفنا ذلك الحين تذهب نحو ألمانيا الهتلرية وكأن انتصاراتها طريق أيضاً لخلاصنا.وما أنهيت بعد هذا عامي الدراسي إلا وانكفأت عن بيروت إلى جامعة دمشق أستعيد فيها مسارنا الأول. وكان علي بعد هذا أن أنتظر مرور ثلاث سنوات، وكل ما توالى خلالها من أحداث وطنية على البلدين سورية ولبنان وفي المنطقة، لتقوم في وعيي ووجداني صورة مشرقة ومحببة لبيروت مختلفة، ولتقوم بين جيل لنا هنا وجيل هناك تلك الأواصر الثقافية والنضالية والقومية التي وأياً ما تقلبت وتغيرت الأحوال، تظل تقدّم تجربة ومنهجاً في العمل القومي المشترك. ولكن تلك الأواصر ما قويت واشتدت في البداية إلا من خلال نشاطاتنا وتحركاتنا الطلابية والحزبية، وفيما بين الطلاب العرب في جامعة دمشق والجامعة الأمريكية في بيروت. ومن غير أن أخوض في ذكريات تلك الحقبة من الأربعينات ودخولنا مراحل الاستقلال الوطني، وما كان للحركة الطلابية في الجامعات من دور وطني وقومي فاعل، أكتفي بتقديم هذه اللوحة أو الصفحة الثانية من ذكريات تبادلاتنا وعلاقاتنا الثقافية مع بيروت.ففي العام الدراسي 43/44، كنا في بداية عملنا وتبشيرنا بالبعث العربي، مع الأستاذ ميشيل عفلق، وكان من باكورة أعمال عفلق في دعوته لهذا الانبعاث القومي، مقالة نشرتها له مجلة الأديب في بيروت تحت عنوان «الجيل العربي الجديد» راجت ومضينا تروج أفكارها هنا وهناك، هذا في الوقت الذي طلع فيه علينا من بيروت الدكتور قسطنطين زريق بكتابه "الوعي القومي"، لتجد فيه زاداً فكرياً أيضاً. ومازال في الذاكرة صورة من ذلك الملتقى الذي كان بين الأستاذين عفلق وزريق وضمني إليهما مع رفاق جامعيين وبين أيدينا مقالة عفلق وكتاب الدكتور زريق نجادل فيما يلتقيان عليه، وما استخلصنا من عبرة فيهما إلا التزام جيلنا «بواجب العمل القومي»: وهذا ما مضينا على طريقه، واليوم وبعد خمسة وخمسين عاماً من ذلك الثلاثي، ماذا في كتاب قسطنطين زريق الأخير القادم من بيروت: ما العمل؟أو ما هو التبشير من جديد بجيل جديد وبواجب العمل القومي من جديد، بعد كل ما انقطع وتقطع؟ما هذه إلا نتف من بدايات كانت لنا مع بيروت، وحلّنا فيها وترحالنا الثقافي إليها. إنها علاقات وروابط تنامت ثم تنامت ولنا فيها حكايات كثيرة تحكى. فمن وقتها أي منذ الأربعينات ما انقطع التواصل والتفاعل مع بيروت وأجواءها. وعندما كانت تُقام بيننا وبينها الموانع وتُسد في وجهنا الحدود، كنا نتسلل إليها ونلجأ إلى رحابها الحرة، إن لم يكن بأشخاصنا فبكتاباتنا ومواقفنا، وكان ذات مرة أن ذهبت إلى بيروت بمقالة نشرتها "الصحافة" اللبنانية بينما مُنعت في سورية، أن تسبب نشرها بتغيير في مجرى حياتي وصيرتني صحفياً وصاحب جريدة، وتلك حكاية أتركها لمناسبتها..
.جمال الأتاسي
عام 1999

الأحد، 30 أغسطس 2009

'الطريق السوري إلى الوحدة
جمال الأتاسي
في 22 فبراير (شباط) لعام 1958 تحقق أول انتصار وحدوي حقيقي لحركة القومية العربية، بعد نضال طال نصف قرن من الزمن، وقامت وحدة القطرين مصر وسورية، في إطار "جمهورية عربية متحدة". قامت دولة للأمة، لكل الأمة العربية وقضايا الأمة، ولتكون قاعدة انطلاق والجسر الذي تعبر عليه شعوب الأمة نحو الوحدة العربية الشاملة.هذه الوحدة، وهذه الدولة القومية الموحدة للأمة العربية لم تعمر إلا ثلاث سنوات وسبعة أشهر، فقد انفصم عقد تلك الوحدة، بل جرى اغتيالها في 28 سبتمبر (ايلول) عام 61 بالتآمر والغدر وبتواطؤ من كل القوى المعادية للأمة، لوجود هذه الأمة أو لنهوضها وتقدمها، من داخلها وخارجها.الوحدة والطريق إلى الوحدة في الحقبة الناصريةأياً ما كانت التقييمات المختلفة التي جاءت لتلك الحقبة من حياة أمتنا العربية والتي عاشتها تحت أعلام الثورة الناصرية، فإنها تبقى حقبة النهوض البارزة في هذا العصر لأمتنا، ويبقى عنوانها الكبير النضال في سبيل تحررها وتقدمها ووحدتها . وتلك تبقى شهادة التاريخ ، كما قال جمال عبد الناصر في آخر كلماته إلى الأمة، شهادة " مبرأة من العقد ومن الأهواء ومن التحزب ومن النسيان . "ونحن نسميها حقبة ناصرية، بالنسبة للأمة وشعوب الأمة وحركة القومية العربية عامة، تلك الحقبة من تاريخ نضالنا العربي، التي كان المدخل إليها قيام حركة الضباط الأحرار بثورتهم الوطنية في 23 يوليو عام 52. ولكن ناصريتها، أي ثوريتها الحقة كثورة قومية عربية تقدمية، ما برزت وتوضحت إلا عندما أمسك عبد الناصر بزمام الأمور عام 54 وأبعد عن رئاسة الدولة والحكم تلك الواجهات التقليدية والانتقالية وسد طريق الرجعة والردة، وأخذ يتوجه بخطابه مباشرة إلى الشعب، في كل القضايا، وليرتفع بالوعي السياسي للشعب. وحين أخذ يتوجه بخطابه إلى الأمة وشعوب الأمة، ومنذ أن أطلق صوت مصر الثورة إلى العرب، من إذاعة "صوت العرب "، منادياً :" أخي العربي، ارفع رأسك يا أخي وانهض فقد انتهى عهد الاستعباد ". ومنذ أن أعطى للثورة ولمصر وشعب مصر هويتها القومية العربية الخالصة، وأكد في كلمة له بمناسبة العيد الثاني للثورة " نحن أمة عربية واحدة ، هذا أول الطريق وآخره... " ، ولكنه انتظر أن ينجز مهمات للاستقلال الوطني الكامل لمصر وتوقيع اتفاقية جلاء القوات البريطانية عن قاعدة قناة السويس في اكتوبر عام 54 ، ليمسك بمشروعه القومي، وليمد لا البصر والفكر وحده وانما الاهتمام والحركة والعمل إلى المشرق عبر سيناء ومابعد سيناء ، ولينطلق بمصر الثورة ورسالتها إلى الدوائر الثلاث لحركتها، العربية أولاً ومنها إلى الاسلامية والإفريقية. ولينتقل بثورة يوليو من طورها المصري الوطني الأول ، إلى طورها القومي العربي الأشمل، ولتأخذ مصر الثورة دورها كقاعدة ثابتة ومرتكز لحركة التحرر العربي ولما هو أبعد، ولتأخذ مسؤوليتها كاملة في الاهتمام بكل قضايا الأمة العربية. وباسم الأمة، وفي حالات عديدة نيابة عن الأمة كلها، خاضت المعارك والحروب ضد اعداء الأمة، ودفاعاً عن وجودها وحقوقها وأرضها.ملاحم كبرى خاضها عبد الناصر وخاضتها مصر عبد الناصر، من ملحمة تأميم قناة السويس وصد العدوان الثلاثي، إلى ملحمة وحدة القطرين وإلى إسقاط حلف بغداد والأحلاف الاستعمارية ومبدأ إيزنهاور، كلها معارك خاضها وشعوب الأمة معه. ولقد ساند وأمدّ كل ثورات شعوب الأمة، من ثورة الجزائر إلى ثورة العراق وثورة اليمن . وكل انتصار كان انتصاراً للأمة ووحدة مصير شعوب الأمة. وصار عبد الناصر بمواقفه وهو التعبير عن الأمة كلها وطموحات الأمة، بل وحتى الانكسار في حرب حزيران عام 67 صار انكساراً للأمة كلها . ولكن عبد الناصر قدر على النهوض من جديد وبإرادة شعوب الأمة، ليقف في وجه الهزيمة ولإزالة آثار ذلك العدوان على الأمة، كما لم ينهض أحد بمصر وقوة مصر وبتلاحم قوى الأمة معها ، لإزالة لطخة الهزيمة عن علم الثورة وليرفع آثارها عن كاهل الأمة وأرضها. ولكنه قضى قبل أن يبلغ بالأمة ذلك الهدف الذي حدده طريقاً لتستأنف الأمة بعده مسيرتها إلى أهدافها الكبرى وإلى الوحدة . وطويت تلك الحقبة وهي ما طويت إلا عندما وقف السادات بحركة الجيوش وبقوة الأمة المساندة لحركة الجيوش . في حرب تشرين، كما كان قد رسم وأعد عبد الناصر، لتقف، بعد العبور، وليتحول السادات بمصر عن الناصرية وطريق عبد الناصر، إلى طريق كمب دافيد وأمريكا، لتنعكس الأمور ويتحقق الهدف الذي رمى إليه عدوان حزيران وكل عدوان على الأمة العربية ووحدة الأمة، في نزع الناصرية عن مصر وعزلها عن أمتها وعن دورها القيادي لأمتها.تلك هي الصورة التي تشكلت في إدراكنا هنا من سورية لمصر عبد الناصر وللدور الذي أخذه عبد الناصر في قيادة الأمة. إنها صورة لم تأت دفعة واحدة ولا دخلت تسللاً ، بل هي جاءت عبر عملية نضج سياسي وانضاج في وعي شعبنا، تقدمت طوراً بعد طور، وعبر معارك النضال التي خاضها الشعبان في مصر وسورية، وكان لخطاب عبد الناصر المتوجه مباشرة إلى الشعوب وحركة الشعوب، موضحاً كل موقف وكل خطوة وكل قضية، الدور الكبير. ومن خلال هذا الإدراك صار خيار الشعب السوري لطريق الوحدة مع مصر خياراً ملحاً ولا تراجع عنه. ولقد استمر إلحاحه والدفع إليه طول تلك الحقبة الناصرية ، وليبقى من بعدها رصيداً لتطلعات مستقبلية.فكيف تشكل وقام ذلك الطريق السوري إلى الوحدة وماذا جاء عليه وتقدم إليه، ليصبح طريق سورية إلى الوحدة مع مصر عبد الناصر ، وهي الطريق لتغلبها على مصاعبها وانقساماتها الداخلية، وللوقوف في وجه الضغوط والمؤامرات الخارجية، التي تتهددها بالإخضاع والاحتواء أو الغزو.عندما قامت حركة الضباط الأحرار بالثورة في مصر عام 52 كانت سورية تعيش تحت وطأة الانقلابات العسكرية المتوالية، وكانت تعاني من كل ما أنتجه في المنطقة وداخل المجتمعات العربية، انكسار جيوش الأنظمة العربية أمام "العصابات الصهيونية" وقيام الكيان الإسرائيلي، ثم من كل ما صارت إليه أحوال المنطقة العربية وما أدخلته عليها القوى الغربية من ترتيبات وتحالفات بل ومؤامرات لإخضاعها لمصالحها ، ومخططاتها في المواجهة مع الاتحاد السوفياتي والمعسكر الشيوعي. فالقوى الوطنية التقدمية والقوى القومية في سورية، التي كانت تعيش في دوامة الصراع الداخلي بين القوى على السلطة، والضغوط والتآمر على سورية من الخارج، لم تستكشف من البداية حقيقة ثورة 23 يوليو في مصر ولا حقيقة قيادة عبد الناصر، بل وضعتها في صنف الانقلابات العسكرية التي عانت منها وعانت من استبداديتها، وحتى بعد أن قدرت تلك القوى على إسقاط نظام أديب الشيشكلي الدكتاتوري العسكري في الأشهر الأولى من عام 54 ظلت تتطلع بشكوكها إلى ما يجري في مصر، بل وأظهرت تعاطفاً مع تحركات الأحزاب الرجعية والإخوان المسلمين في نزاعها مع الثورة وقيادة عبد الناصر. ولكن شيئاً فشيئاً أخذت الصورة تتوضح، صورة مصر الثورة والتقدم، وصورة قيادة عبد الناصر للثورة وسياسة عبد الناصر.وهكذا فإن "صوت العرب " الموجه إلى الأمة وشعوب الأمة، وخطاب عبد الناصر الذي أخذ يرتفع في كل مناسبة وطنية آو قومية وحدث، ومواقف عبد الناصر الجريئة والقاطعة المعادية للاستعمار والمشاريع الاستعمارية والمعادية للرجعية، والتي تسير في خط التقدم والالتزام بمصالح الطبقات الشعبية، أخذت تشد أنظار وعواطف الشعب السوري نحو مصر وقيادة عبد الناصر. بل ومنذ تلك البداية، فإن تعاطف القواعد الشعبية مع مصر عبد الناصر سبق القيادات السياسية والحكومات وصار يشكل عاملاً ضاغطاً عليها باستمرار.وفي عام 55 ومن مطلعه، أخذ صوت عبد الناصر يرتفع عبر المذياع في الأماكن العامة والمقاهي في سورية ويتجمع الناس ليستمعوا إليه في كل مناسبة وصار الدليل، بل وصارت صورة عبد الناصر تتصدر البيوت. وأخذت الرسائل والوفود الشعبية تذهب إلى عبد الناصر وإلى لقاء عبد الناصر، قبل أن يذهب الرسميون والحكام . ومنذ بدايات عام 1955 استتبت الأوضاع في سورية لحكم وطني قام على تحالف برلماني وحزبي عريض للقوى الوطنية والتقدمية وعلى ميثاق قومي يؤلف بينها. وصار يتطلع في سياسته العربية إلى التآذر والتعاون مع مصر أولاً . وهذا الحكم على ما كان يتنازع أطرافه من تناقضات، وما كان يحاك حوله ويتجاذب فيه من مؤامرات، تكشفت فيما بعد، فلقد أخذ منهجاً ذا طابع وحدوي تحت الضغط الشعبي العام ومظاهراته ومطالبه، وتحت ضغط القوى القومية الوحدوية من داخله وفي مقدمتها حزب البعث العربي الاشتراكي . وهكذا سارت السياسة السورية قي خط مواز وموثق الخطوات مع سياسة مصر الثورة، من رفض الأحلاف العسكرية وسياسة الأحلاف الموالية للغرب، والوقوف في وجه إسرائيل والعدوان الإسرائيلي المتحفز، إلى كسر احتكار السلاح والتزود بالسلاح السوفياتي، مع الأخذ بسياسة الحياد الإيجابي والوقوف مع جبهة دول عدم الانحياز.وفي مواجهة التهديدات الإسرائيلية والاستعمارية والرجعية، أخذ التعاون بين مصر وسورية، صيغة التعاون السياسي والتحالف العسكري والمواثيق الثنائية للدفاع المشترك. واللافت للنظر أن الوفد الحكومي السوري الذي ذهب إلى القاهرة لتوقيع ميثاق الدفاع الثناني عام 55، طرح أمام عبد الناصر مطلب سورية في السير بمشروع لإقامة الوحدة بين مصر وسورية. ولكن الأمور وقفت عند هذا الطرح. أما الحركة الشعبية في سورية فلم تتوقف وظلت تضغط.وفي 14/ 6/ 56 تشكلت "حكومة قومية" جديدة في سورية، وصار الإصرار على ان ينص البيان الوزاري المقدم أمام المجلس النيابي، صراحة على العمل من أجل تحقيق الاتحاد بين مصر وسورية، وانهالت البرقيات والضغوط الشعبية والمظاهرات من كل المناطق السورية تطالب. واعطى المجلس الثقة للوزارة على هذا الأساس وأقر تشكيل لجنة وزارية لإجراء التفاوض واعلام مصر بهذا القرار الذي قابله عبد الناصر بالترحاب، ثم جاءت قضية السويس وحرب السويس لتصنع الوحدة في المعركة.في الخطاب التاريخي الذي ألقاه عبد الناصر يوم 26 يوليو عام 56 في الاسكندرية وأعلن في ختامه تأميم قناة السويس، بدأ بوضع القضية في إطارها القومي، كمعركة للأمة وقال عبد الناصر: " وفي المواجهة كلنا نعمل من أجل قوميتنا، كلنا نعمل من أجل عروبتنا، وكلنا سندافع من أجل حريتنا وعروبتنا وسنعمل حتى يمتد الوطن العربي من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي، فالقومية العربية تتقدم وستنتصر وهي تعرف طريقها. " ثم أضاف :" وأنا اليوم أتوجه إلى أخوان لنا في سورية، لقد قرروا ان يتحدوا معكم اتحاداً سليماً عزيزاً كريماً لندعم مباديء الكرامة، ولنرسي سوياً قواعد القومية العربية والوحده العربية. نرحب بكم أيها الأخوة وسنسير معاً متحدين، بلداً واحداً ورجلاً واحداً، وسنسير معاً لنقيم في ربوع الوطن العربي استقلالاً سياسياً حقيقياً واستقلالاً اقتصادياً حقيقياً... ". وجاء الحديث الذي هز الدنيا، وحرك الأمة وكل شعوب الأمة تطلعاً نحو مصر، كما حرك كل قوى الاستعمار والقوى المعادية للأمة ضد عبد الناصر ومصر عبد الناصر، وما صارت تجسده مصر عبد الناصر كطليعة متقدمة ومقاتلة، لا بالنسبة لحركة التحرر العربي وحدها بل ولكل حركات التحرر الوطني في العالم.وفي الانتصار لمصر في معركتها الكبرى تلك التي فتحت، كان الشعب السوري في الطليعة تصميماً والتزاماً بوحدة المصير. ولكن شعوب الأمة كلها تطلعت بنضالها نحو مصر، إنها الوحدة في المعركة كما أرادها عبد الناصر، معركة الأمة مع أعدائها وفي المقدمة إسرائيل .تشكلت في سورية على الفور بعد التأميم " الهيئة العربية لنصرة مصر" ، وفي 16 أغسطس (آب) أضربت سورية إضراباً عاماً وقامت مظاهرات كبيرة عمت أرجاء القطر تحت شعارات نصرة مصر ومطلب الوحدة مع مصر. كما استجابت أكثر العواصم العربية للدعوة لهذا الإضراب بل وإن الثورة الجزائرية يومها شنت سبع هجمات لمقاتليها في وقت واحد ضد مواقع الاستعمار الفرنسي كتعبير عن تضامنها مع مصر.بات العدوان على مصر وشيكاً، كما كان هناك تحسب من أن تضرب إسرائيل في الأردن أو تضرب سورية. وتحولت اتفاقات الدفاع الثنائية إلى ثلاثية بين مصر وسورية والأردن لتوحيد جبهاتها في المواجهة. وفي عشية 29 أكتوبر بدأت إسرائيل الهجوم من سيناء باتجاه السويس . وفي اليوم التالي جاء الإنذار البريطاني الفرنسي وتكشفت أبعاد العدوان الثلاثي المبيت . ورقف عبد الناصر قويأ ثابت الجأش ووقف شعب مصر كله وراء جبهة واحدة يقاتل . ووقفت شعوب الأمة تتطلع إلى مصر، ووقف شعب سورية يطالب بالمشاركة في المعركة.لم يرد عبد الناصر توريط الجيش الأردني ولا الجيش السوري في القتال وفتح جبهاتهما أمام إسرائيل، بعد أن تكشفت أمامه أبعاد العدوان ومراميه فمطامع إسرائيل في الأردن لم تكن خافية، كما كانت قد تكشفت خيوط مؤامرة كبرى حبكت بالتواطؤ مع أطراف سورية لضرب سورية في التوقيت ذاته الذي حدد لغزو مصر. وطالب عبد الناصر الأردن وسورية بالترقب والحذر، وحمل وشعبه عبء الدفاع لا عن مصر وحدها، بل وعن حرية الأمة كلها.ولكن الشعب السوري ظل في تحفز وظل في غليان يطلب المشاركة، بل وتحركت بعض مواقعه وقواه من غير أن تنتظر أذناً حكومياً بالحركة. ففي اليوم الثالث للعدوان مثلاً وعندما أخذت الطائرات البريطانية تقصف محطة إذاعة القاهرة وصوت العرب وسكت البث منها لفترة، أخذت الإذاعة السورية على الفور مبادرتها وارتفع صوتها من دمشق يقول هنا القاهرة، وأخذت تبث المارشات العسكرية وتذيع نيابة البرقيات الواردة وأخبار المعارك وتحث على القتال وعلى مشاركة الأمة. وذهب فصيل من الجيش السوري بتوجيهات مباشرة من المكتب الثاني، فقام مع مجموعة من العمال بنسف أنابيب النفط عند ثلاث محطات للضخ، فقطع كل سبيل لإمداد القوات البريطانية والغرب بالنفط العراقي، وأعلن اتحاد العمال مسؤوليته عن الحادث، وهكذا وضع الشعب السوري نفسه في قلب المعركة.ومعركة مصر وملحمة بورسعيد عاشتها الأمة وشعوب الأمة كلها وصارت تاريخاً جديداً للأمة. وأثبتت مصر أنها القلعة الحصينة بشعبها وقيادتها والطليعة المقاتلة للأمة. انتصرت مصر عبد الناصر، وخرج عبد الناصر من المعركة بطلاً للأمة ورمزاً لعنفوانها، وصار قائداً لشعوب الأمة كلها تتوجه إليه بأنظارها من غير منازع . وتأكدت من جديد بالنسبة لسورية طريقها إلى الوحدة كما لم تتأكد في أي فترة مضت: الطريق إلى مصر موئلاً ومرتكزاً وإلى عبد الناصر قائداً ورئيساً .انحسر العدوان الثلاثي عن مصر بعد أن فشل في إسقاط عبد الناصر وإسقاط الثورة في مصر، وفشل في عزل مصر وإبعادها عن قيادة أمتها. فتحول العدوان، بعد أن صار رباعياً بانضمام الولايات المتحدة الأمريكية وطرحها مبدأ الزنهاور لسد الفراغ ، تحول باتجاه سورية ولضرب سورية وعزلها عن مصر، وضرب التوتر التقدمي والوحدوي لشعبها، وما يحرك في المنطقة شعبها. وعمد إلى تحريك التآمر والمؤامرات داخلها، ومحاصرتها بحلف بغداد وبتهديدات قوات حلف بغداد، وقام الشعب السوري بدوره للمواجهة. وعندما حشدت الجيوش على الحدود التركية والعراقية في خريف عام 57 وبات العدوان وشيكاً أرسل عبد الناصر بقطعات من الجيش المصري (3) لترابط إلى جانب الجيش السوري وأرفق ذلك بحملة إعلامية تؤكد وقوف مصر في المعركة مع سورية.كان عبد الناصر، وفي حديث له مع كرانجيا في 10 مارس (آذار) من ذلك العام 57 ، قد أجاب على سؤال بشأن الوحدة العربية بقوله :" أنا لا أفكر الآن في أي نوع من الاتحاد الفدرالي أو التعاقدي أو غيرها من أشكال الوحدة بين الدول العربية، ولكنني أوجه عنايتي أولاً إلى اتحاد أفكارنا وإيماننا بالقومية العربية. وقد أثبت التاريخ أن توحيد جبهة العرب كان السبيل إلى نجاحهم في قهر العدوان عليهم والمحافظة على استقلالهم. " وجاء كلام عبد الناصر وقتها في الرد على ما كانت تثيره القوى المعادية من دعايات تتهم عبد الناصر بالتطلع إلى مد سلطان مصر إلى الجوار واقامة امبراطورية له. ولكنه وبعد هذا ظل يقول : " لا يمكن أن تقوم هناك وحدة إلا إذا تحققت مقوماتها برابطة قوية لا تنفصم عراها من النواحي الثقافية والاقتصادية والسياسية والعسكرية. "ولكن الأمور على الجانب السوري، بل وعلى صعيد التحركات الشعبية والبرلمانية للقطرين، لم تعد تقبل الانتظار وصارت تستعجل الخطوات.ذهبت وعادت وفود برلمانية ووفود شعبية عديدة إلى مصر وللقاء عبد الناصر رافعة مطلب الوحدة واستعجالها.وبعد توجيه دعوة من رئاسة المجلس النيابي السوري (أكرم الحوراني) إلى رئيس مجلس الأمة المصري (عبد اللطيف البغدادي)، جاء إلى سورية في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) وفد يضم أربعين عضواً من مجلس الأمة وعلى رأسهم أنور السادات، ونزل الشعب السوري كله مرحباً منادياً بالوحدة وعبد الناصر. وعقدت جلسة مشتركة في البرلمان السوري جلس فيها أعضاء مجلس الأمة على مقاعد النواب إلى جانب السورين ورفع على صارية المجلس العلم المصري إلى جانب السوري، وكانت جموع لا تحصى تحيط بالمجلس هاتفة عندما صودق في تلك الجلسة على مشروع قرار مشترك بإلزام الحكومتين المصرية والسورية، بالدخول فوراً في مباحثات لاستكمال أسباب اتحاد البلدين . وفي اليوم التالي ومن غير تأجيل، أقر المشروع مجلس الأمة المصري . وبدأت الأمور تتحرك، وظل الشارع السوري يضغط ولا يتوقف، ولكن اعداء الوحدة ومن لا يرون مصالحهم في تلك الوحدة أخذوا يتحركون أيضأ ويحركون الدسائس.منذ اليوم الأول لعام 1958 صار الدفع على طريق الوحدة في الجدول اليومي لحركة القوى والأحداث. وبينما كانت قيادات البعث كلها مجتمعة، القيادة القومية والقيادة القطرية للحزب واللجنة البرلمانية، تتدارس صياغة مشروع لوحدة فدرالية تجمع مصر وسورية ومنفتحة لغيرهما من الأقطار العربية المتحررة، ومشروع دستور لدولة الوحدة، جاء اللواء حافظ اسماعيل إلى دمشق لينقل وجهة نظر عبد الناصر فيما يتعلق بالدفع على طريق الوحدة، إلى قيادة الجيش السوري ومجلس ضباطها وإلى وزير الخارجية صلاح الدين البيطار، مطالباً بعدم استعجال الأمور، والاكتفاء في الوقت الحاضر بتشكيل لجان لمختلف المجالات للبحث والإعداد، قائلاً ان الوصول إلى وحدة سياسية ودستورية يمكن أن يتطلب خمس سنوات من العمل . كما عبر عن التحسب من تبدلات مفاجئة يمكن أن تقع . ولكن الرد السوري جاء فورياً ولم ينتظر ففي ليل 11 يناير (كانون الثاني) طارت القيادة العسكرية السورية بجمعها إلى القاهرة، ولحق بها بعد يومين وزير الخارجية يحمل قرار الحكومة، والبقية قصة معروفة ومازال يدور حولها جدال، إلى ان اتخذ عبد الناصر قراره وقامت الوحدة، وذلك النظام الذي قام لدولة الوحدة.لعلني أسهبت في سرد تسلسل الأحداث والمواقف التي أوصلت إلى تلك الوحدة، لأمسك منها بمعالم تلك الطريق السورية التي أوصلت إلى الوحدة ، والتي تقطعت من بعدها الدروب وتعثرت . إلا أنها تظل تدل سورية إلى مصر وتظل تدل مصر إلى سورية بعد كل ما قام ويقوم من حواجز وبعد كل ما قام بعد تلك التجربة من محاولات وتجارب.ولكن الحقبة الناصرية لم تقف عند وحدة عام 58 أو عند انفصالها بل ظل لها تواصلها وامتدت بعدها بل وظل لها تواصل في سورية، ولدى الحركة الشعبية المتحفزة في سورية.لقد قامت بعد ذلك محاولات كثيرة ونضالات شعبية كبيرة لاستعادة تلك الوحدة، كما طرحت بدائل لها وأشكال بديلة، وقامت اتحادات وتجمعات إقليمية وكلها أخفقت حتى اليوم في أن تضع الأمة على طريق وحدة حقيقية من جديد، وكأنها كانت فرصة تاريخية للأمة بقيام ثورة القومية العربية كثورة ناصرية وبقيام مصر عبد الناصر، وقد أضاعتها.ونحن هنا في سورية، وآخرون كثيرون في وطننا العربي، كنا ومازلنا وبعد مرور أربعين عاماً على تلك البداية الظافرة، نسميها وكما سماها عبد الناصر من قبلنا، بالتجربة الرائدة . وهي كما قال عبد الناصر في آخر عيد أقيم لذكرى تلك الوحدة في حياته عام 67 " تبقى أمام النضال العربي ذخيرة ثمينة تعلم وتكشف حتى عن طريق أخطائها.. ".إنها الرائدة ليس من حيث الشكل الذي أقامت عليه نظام الحكم والبنيان السياسي لدولة الوحدة، فهي قد أثبتت أن وحدة الأمة حقيقة وأن إقامة دولة للوحدة ممكنة إذا ما دفعت إليها الإرادة الحرة للشعوب، وتجاوب معها تصميم القادة وأصحاب القرار، وأن الوحدة خلاقة أيضاً وأنها الطريق لبناء المنعة والقوة والتقدم، وأنها الرد على كل التحديات التي تواجهها الأمة، وأنها السبيل لاستكمال مقومات الاستقلال والتقدم والنهوض والأمن للأمة كلها .وهي رائدة من حيث أنها دلت إلى طريق، طريق الاستقلال الوطني وإطلاق المبادرة الحرة للشعوب، والطريق التي تذهب من سورية إلى مصر لتعود بمصر إلى سورية وتقوى . ثم إن تلك الوحدة فرضت نفسها ثورية، أي فورية تحرق المراحل وتختصر الإعداد لها . ويقول البعض، ومن بين الذين شاركوا فيها أيضاً بأنها كانت مغامرة غير محسوبة النتائج ، ولكننا لو قرأنا بتدقيق طبيعة حركة القوى والأحداث المتداخلة في تلك الحقبة، والأخطار المهددة لرأينا ان المغامرة كانت ستكون أخطر وأفدح لو أنها لم تقم . وهذا ما التقطته بالعمق الاستراتيجي والتاريخي القيادة الناصرية عندما اتخذت القرار وأقدمت (1) . والحق أنها خطوة ثورية ثورت المنطقة وثورت شعوب الأمة . أما لماذا تعثرت تلك التجربة، وتلك الوحدة الثورة ، وتوقف مدها عند أسوار بغداد وبعد أن كانت الدافع المباشر لثورة 14 تموز في بغداد، ولثورات شعبية أخرى قامت في الوطن العربي، ثم لماذا انحسرت ولم تقوى على حماية نفسها من الثورة المضادة وضربات التآمر والغدر، فتلك مسائل تطرح في المراجعة وللتعلم من التجربة، ولكن وفي هذه المناسبة والذكرى فإن موضوعي يبقى حول "الطريق السوري نحو الوحدة"، وعن الطريق التي مشت فيها سورية إلى تلك الوحدة ، وما كان لها وما بقي من رصيد في الوعي وفي حركة القوى وتطلعات الشعوب.فالنزوع للوحدة العربية لدى الشعب السوري، وكل طلائعه القومية الثقافية وقواه السياسية وأحزابه الوطنية، نزوع أصلي وأصيل ما انقطع منذ قرن من الزمن . والتطلع إلى مصر والتواصل وحدوياً مع مصر، والتقدم بقوة وبوحدة القوة والقيادة في مواجهة الغزو الأجنبي ومشاريع الهيمنة له جذوره البعيدة وتجاربه التاريخية، ولكن الطريق إلى مصر لم تكن دائما سالكة بل أقيمت أمامها حواجز كثيرة، إلى أن قامت الثورة، الثورة الناصرية في مصر، وما تهيأت له بالثورة مصر وتهيأ له شعب مصر وما أزالت من حواجز وفككت من قيود لتدفق حركة الشعوب باتجاه مصر، ومن سورية بخاصة، مصممة على الوحدة، متخطية الحواجز والمسافات ومختصرة الزمن واحكام الإعداد والتدرج في الزمن، وأعلنت الوحدة.كان الحدث كبيراً ، هز أرجاء الدنيا، دنيا العروبة أولاً ثم العالم أجمع منذ أن وقف عبد الناصر في الأول من فبراير/ (شباط) عام 58 ليعلن : " اليوم أيها الأخوة المواطنون، وبعد أن كانت القومية العربية هتافات وشعارات، أصبحت حقيقة وحقيقة واقعة . إن الشعب العربي في سورية والشعب العربي في مصر أعلنا مشيئتهما بقيام دولة لوحدتهما : الجمهورية العربية المتحدة " .وفي الخامس من فبراير/ (شباط) وسورية كلها في مهرجان ، اجتمع المجلس النيابي السوري ليقرر الموافقة بالإجماع على اتفاق الوحدة وليرشح جمال عبد الناصر رئيساً للجمهورية المتحدة ؛ وفي 21 فبراير ذهبنا من دمشق جموعاً جموعاً إلى صناديق الإقتراع لنقول نعم للوحدة في جمهورية عربية متحدة وعبد الناصر رئيساً ولم أجد يومها في التعبير عن الحدث ، إلا عنواناً عريضاً لمقالتي في الصفحة الأولى من جريدة "البعث " : كل الذين يريدون البقاء في مسار التاريخ يحيون قيام الجمهورية العربية المتحدة (2) . ولقد جاءت تلك الوحدة نقلة نوعية عظيمة في مسار تاريخ الأمة، وجاءت في مسار تاريخ التحرر الإنساني، ولقد حسبنا يومها أننا قد أمسكنا بمبادرتنا التاريخية في النهوض وأن أهداف الأمة العربية كلها صارت قريبة المنال، وما استطعنا هنا في سورية أن نقدر مسبقاً كل تلك المصاعب التي وقفت على الطريق ولا مقدار الكيد والعدوان الذي يدبره أعداء الأمة . وإن كان عبد الناصر قد نبه منذ البداية وحذر ومنذ أن وقف أمام مجلس الأمة في فبراير/ (شباط) مبشراً بمهرجان الشروق، شروق فجر وحدة الأمة العربية وقيام دولة موحدة للأمة.وعبد الناصر في تلك الخطبة التاريخية التي بين فيها مقومات تلك الدولة أكد أن المدخل والطريق إلى تلك الوحدة، طريق مصر وطريق سورية، وكل طريق آخر إلى الوحدة إنما يبدأ من الاستقلال الوطني ومن الإرادة الوطنية المتحررة للشعوب وإجماعها ، وقال عبد الناصر:"ما أن حصلت سورية على استقلالها الوطني إلا وتطلعت إلى مصر، وما أن حصلت مصر على استقلالها الكامل إلا وتطلعت إلى سورية... "إلا أن ذلك التطلع كانت له جذوره التاريخية البعيدة من قبل ذلك الاستقلال بكثير، بل وكانت له تجارب أيضاً ، ولكن ظروف الاستقلال الوطني لكل من القطرين، مع تحرير الارادة الوطنية للشعبين والتلاقي على الأهداف الكبرى للأمة ، والمعارك التي خاضاها معاً في مواجهة القوى المعادية للأمة ومشاريعها في الهيمنة والاستعمار، من خوض معركة كسر احتكار السلاح معاً ثم والمضي على طريق سياسة الحياد الايجابي في السياسة الدولية والمضي في مواثيق الدفاع المشترك بينهما على طريق مواجهة التطويق والحصار والأحلاف العسكرية المعادية، ماعزز تلك الارادة في شق الطريق نحو الوحدة .عندما جاء رئيس الجمهورية السورية شكري القوتلي ليرفع العلم ، علم الاستقلال الوطني، بعد جلاء آخر جندي فرنسي عن أرض الوطن في 17 نيسان عام 46، قال : لن يرفع فوق هذا العلم بعد هذا اليوم إلا علم الوحدة العربية، ولكن طريق الوحدة يومها لم تكن سالكة باتجاه مصر وما كانت مصر قد أنجزت مهمات استقلالها الوطني وإجلاء الجيش البريطاني عن قاعدة السويس، و لاكانت الثورة قامت في مصر ولا أقامت نظامها الجمهوري ولا نص دستورها على الانتماء العربي الخالص وعلى أنها جزء لا يتجزأ من الوطن العربي، ولا خاضت كل تلك المعارك الوطنية الظافرة تحت راية القومية العربية، لتشد لا سورية وحدها وطريق سورية الى الوحدة نحوها، بل وشدت كل تطلعات شعوب الأمة الى الاستقلال والوحدة . ولكن سورية كانت السباقة، وصارت طريق مصر وسورية أولاً في ادراك الشعب السوري ، هي طريق الأمة الى الوحدة والتقدم .إن شكري القوتلي نفسه، كرئيس للجمهورية السورية، هو الذي ذهب الى القاهرة في 31 يناير/ (كانون الثاني) عام 58 ومعه رئيس الوزراء وعدد من الوزراء ورئيس أركان الجيش، ليذكر بما قاله يوم الاستقلال وليسلم الراية لعبد الناصر ولترفع راية وحدة القطرين . ولكن الارادة الجماعية للشعب السوري، وبكل قياداته المدنية والعسكرية وكل تياراته الوطنية، كانت قد سبقت الحكام الى القاهرة ودفعت بالحكام نحوها، ثم كان لا بد أن تأخذ الأمور مجراها السياسي والدستوري، وقامت الجمهورية العربية المتحدة.وقضية الوحدة العربية، وكما تشكلت في وعينا القومي العام، وفي ادراك الطلائع والنخب الثقافية والسياسية لشعبنا العربي السوري، إنما هي في النهاية الوحدة التي تجمع أجزاء الوطن العربي كله ومن المحيط الى الخليج، وطناً موحداً وأمة واحدة وكياناً سياسياً واقتصادياً وثقافياً موحداً ومستقلاً عن كل سيادة أو هيمنة أجنبية.ولقد أخذ توجه الحركة القومية العربية في سورية على طريق هذا الهدف الطموح مسارات مختلفة، عبر المخاضات التاريخية التي انخرطت فيها شعوب أمتنا وحركات التحرر الوطني في منطقتنا العربية، في حقب زمنية متلاحقة من هذا القرن العشرين . ولكن المسار الذي تقدم بسورية نحو وحدة عام 58 وتجربة تلك الوحدة ، تبقى في وعينا القومي في سورية، أو في وعي من بقي على التطلع لوحدة الأمة، كطريق لابديل عنه للخلاص، لا ماضياً تعتز به بل يبقى أيضاً دليلنا الى المستقبل.لكن وقبل الخوض في الحديث عن المسار السوري الى الوحدة فى الحقب الماضية، سنقف عند التأكيد على بعض الملامح والسمات العامة لذلك المسار.1- إن التطلع الى الوحدة الشاملة للأمة العربية والى تحرير أقطار الوطن العربي واستقلالها واقامة كيان موحد أو دولة واحدة لشعوبها، كان المبدأ والمنطلق لحركة القومية العربية ولروادها ا لأوائل ولمنظماتها السرية ولأحزابها منذ أواخر القرن الماضي . وهذا التطلع، وبعد كل المتغيرات التي وقعت في منطقتنا والعالم، ما زال قائماً كطريق للنهوض بالأمة من جديد.2- وفي المشروع القومي العربي كان واضحاً دائماً أن طريق الوحدة العربية طويلة متعددة المراحل والأطوار، وكذلك التجارب والأشكال . وأنها لا تتوقف على ارادة أو استعداد قطر عربي بعينه، أو حكومة أو حزب، ولكنها وقد وجدت محركاً على طريقها ومنطلقاً من بلاد الشام ، أو من جزء من بلاد الشام الذي صارت اليه "سورية"، فلقد كان التوجه الوحدوي في سورية، يذهب في تطلعاته الى مركز عربي ومرتكز قوي وثابت يركن إليه، والى قيادة أو رمز يشد الأنظار اليه ويجمع .3- إن سورية في توجهها القومي العربي وفي اختيار طريقها الى الوحدة، كانت مستعدة للتخلي عن كيانها السياسي الذي رسمت حدوده من قبل المخططات والمصالح الاستعمارية ومن ثم الأنظمة القطرية والانفصالية، لصالح التكامل مع/ والاندماج في كيان عربي أوسع وأكبر. وهذا لم يكن طريق قواها القومية الى الوحدة والى بناء القوة والمنعة فحسب، بل وكان طريقها في الوقت ذاته لتحقيق الاندماج القومي لمجتمعها نفسه وتحقيق الوحدة الوطنية لشعبها في مستوى أكثر تلاحماً ، بعد كل ما زرعته ظروف القهر من تناثر في بنيته الاجتماعية ومن رواسب العصبيات و الروابط قبل القومية.4- وطريق الوحدة سابقاً وحاضراً، ماضياً ومستقبلاً ، هو طريق المواجهة مع أعداء الأمة والطامعين في أرضها ونفطها ومياهها ومواقعها الاستراتيجية وكل الذين يعملون على طريق تجزئتها وسد الطريق أمام تقدمها ونهوضها كأمة. وهو الذي شد في الماضي وما زال يشد أواصر الوحدة في المواجهة من سورية الى مصر ومن مصر إلى سورية.5- ثم إن طريق الوحدة، وكما هو طريق المواجهة، فهو طريق الأمة ولا طريق غيره الى التقدم و النهوض . و هذا ما تدفع اليه الارادة الحرة والمصممة للشعوب، ولقد كان طريق سورية الى الوحدة من البداية هو طريق الاستقلال الوطني وتحرير الارادة الوطنية لشعوب الأمة، لتكون الوحدة خيارها و تعبيراً عن ارادتها الجماعية والحرة ، ولتأتي في خط التقدم وعلى طريق التحرر والتحرير من كل تابعية، وفي المواجهة مع كل مشاريع الهيمنة الأجنبية والاستعمار.وبكل هذه المؤشرات مجتمعة صارت طريق سورية باتجاه مصر الثورة، مصرعبد الناصر، هي وليس غيرها الطريق السالكة للوحدة . فمن قبل وحدة عام 58 ومن بعدها، اغريت سورية بمشاريع للوحدة، أو راودتها طرق أخرى- الى الوحدة، كمشاريع وحدة الهلال الخصيب وسورية الكبرى، لتسحبها على طريق أردن الملك عبدالله أو عراق نوري السعيد، فضلاً عن كل ما دبر من مؤامرات أو صيغ من تحالفات دفعاً على طريق تلك المشاريع المشبوهة التي كانت تستهدف احتواء سورية في أطر المخططات والأحلاف الاستعمارية، وما صدتها وردتها إلا اليقظة الوطنية للحركة الشعبية في سورية. كما وأن الحركة الشعبية الوطنية في سورية وكل القوى والأحزاب القومية الوحدوية، لم تجد في قيام جامعة الدول العربية عام 45 وانضمام الحكومة السورية اليها تعبيراً عن ارادتها وطموحاتها، أو عن الطريق الى وحدة لأمة كما تتطلع اليها الشعوب. فعدا أنها جاءت بمباركة من الحكومة البريطانية و لتبقى ضمن دوائر نفوذها، فقد قامت كجامعة دول وحكومات منفصلة عن بعضها، وقامت كمنظمة اقليمية لدول مختلفة وليس كجامعة قومية وكيان موحد للأمة، وبقيت على تكريس قطرية الأنظمة في أطر التجزئة. وظلت سورية تطالب بمضاهاتها بجامعة للشعوب تخلع أطر التجزئة وتقتلع الحدود الفاصلة، وتنزع عن الأنظمة قطريتها لتأخذ أسباب الوحدة القومية الصحيحة.وفي الطريق السوري الى الوحدة، وحدة الأمة العربية، ولاستكمال مقومات وجودها كأمة ونهوضها في مواجهة التحديات، كانت الوحدة دائماً هدف تفرضه ضرورات الحياة وضرورات البقاء والتحرر والتقدم للأمة، في تاريخ حركة القومية العربية والدفع على طريق الوحدة ومشاريع التوحيد والوحدة يمكن أن نميز بين حقبتين تاريخيتين، حقبة الناصرية والنهوض الناصري والثورة الناصرية كثورة للقومية العربية، وحقبة ما قبل الناصرية، ثم وقوفاً عند هذه الحقبة مابعد الناصرية التي نعيشها تراجعاً وانكفاءاً عن كل طريق الى الوحدة.فالحقبة الأولى في مسيرة نضال الأمة من أجل الاستقلال والوحدة، هي تلك التي تعود بنا إلى بدايات حركة القومية العربية المنطلقة من المشرق العربي وسورية، والتي سارت إلى "الثورة العربية الكبرى" ثورة الشريف حسين عام 16، متطلعة إلى إقامة دولة عربية موحدة للأمة والتي بانكسارها أمام المشروع الاستعماري تكرس نظام شرق أوسطي للتجزئة والهيمنة الاستعمارية، والذي حمل في طياته وعد بلفور وإقامة الكيان الصهيوني، استكمالاً لمقومات ذلك النظام الشرق أوسطي للسيطرة بقيام "إسرائيل "، وسلباً للوجود العريى واستنزافاً لطاقات النضال العربي وسداً لطريق الوحدة . ثم تأتي الحقبة الناصرية للنهوض العربي منذ ان انتقل عبد الناصر بثورة 23 يوليو من طورها الوطني الأول لتصبح ئورة للقومية العربية كلها ووحدة الأمة، والتي حققت اختراقات كبيرة لذلك النظام الشرق أوسطي السالف الذكر في معارك متلاحقة، وانتصارات لثورات الشعوب، وصارت قضية الوحدة العربية والتقدم على طريقها شعارات للنضال اليومي لحركة شعوب الأمة وبالثورة صارت مصر قاعدة حصينة للقومية العربية ودولة لكل الأمة العربية وقضاياها. إنها الحقبة التي بلغت عنفوانها القومي حين حققت وحدة مصر وسورية في جمهورية عربية متحدة، ولتبقى مصر بعد الانفصال جمهورية عربية متحدة، تقود معارك الأمة وتدفع على طريق وحدتها. ثم هناك المابعد، مابعد الناصرية، والتي يمكن أن نؤرخ بداية التراجع فيها، بعد غياب عبد الناصر، بصعود السادات بثورته المضادة منذ 15 مايو/ (أيار) عام 71، حين خلع عن مصر اسم " الجمهورية العربية المتحدة" وصفة الدولة القومية لكل الأمة العربية. ليعيدها مصر المصرية ثم ليضعها في إسار كمب دافيد. ثم ما توالى في هذه الحقبة الأخيرة من تراجعات ليعود ويتكرس نظام التجزئة والكيانات القطرية الانفصالية ولتدخل الأمة والمنطقة العربية في دوامة مشاريع الهيمنة التي ترتب لإعادة إنتاج نظام شرق أوسطي جديد معولم اقتصادياً لصالح الاستقطاب الأمريكي والرأسمالية الدولية الجديدة، ومتحكم فيه صهيونياً وبالامتداد الصهيوني، لكي لا تقوم قائمة بعده للأمة ولوحدة الأمة.فكيف كانت وكيف تغيرت الطريق السورية إلى الوحدة في هذه الحقب الثلاث
'ما قبل الناصرية ومصر عبد الناصر
إن تطلع الشعب العربي في سورية بأشواقه الوحدوية باتجاه مصر هوى قديم . فدور مصر الكبير في النهوض بقوة الأمة وتوحيد قواها في مواجهة الحملات الكبرى من صليبية وتترية التي شنت ضد وجود الأمة، ومصر التي كانت موئل النهضة الأولى في العالم العربي، كانت هناك دائماً كتلة شعبية واجتماعية متماسكة ومحط أنظار الأمة ومرجعية ثقافية وموئلاً لمثقفيها . فليس منذ أن تحررت سورية من الانتداب الفرنسي وحصلت على استقلالها الكامل تطلعت إلى مصر فحسب، بل كان ذلك في تطلعات حركة القومية العربية وطلائعها الأولى ومنظماتها السرية والعلنية التي تدافعت من بلاد الشام، فقد تحركت هي أيضاً باتجاه مصر منذ أن تطلعت إلى الاستقلال والانسلاخ عن الامبراطورية العثمانية. ولقد أكد ساطع الحصري في كتابه "محاضرات عن نشوء القومية العربية" على وجود تلك الجماعات، من المثقفين العرب في العهد العثماني التي كانت تتجه بقلوبها وأفكارها إلى مصر منتظرة منها أن تتزعم الحركة العربية، ولقد كان ساطع الحصري نفسه من تلك الطلائع . ثم إن فصائل تلك الحركة ضمت في بعض منها قادة مصريين برز بينهم عزيز المصري، كما كانت تجد لها مراكز وجمعيات في مصر ذاتها، ولكن مصر كانت محتجزة وراء خطوط جيوش "الحماية البريطانية" فتحولت عنها التطلعات السورية الوحدوية إلى مراكز أخرى .ومن غير أن نأتي على سيرة حركة القومية العربية وتشكلاتها النخبوية، المتدافعة من سورية، فهي في حركتها كانت تتطلع إلى عملية مزدوجة فيها الانفكاك عن الامبراطورية العثمانية بحركة استقلالية، واقامة دولة عربية شرقية موحدة تضم ولايات الهلال الخصيب (بلاد الشام والعراق) والجزيرة العربية. ولكن الطريق إلى إنجاز مهمات تلك العملية الاستقلالية والوحدوية لم تكن محددة المعالم في النهج الاستراتيجي لتلك الحركة. فظروف الحرب العالمية الأولى التي صار المشرق العربي ساحة من ساحاتها الأساسية، وتشابك علاقات العديد من القيادات العربية مع التحالف الغربي وبخاصة بريطانيا، ذهبت بآمال الحركة العربية الوحدوية باتجاه الحجاز وقيادة والي مكة الشريف حسين وأولاده ، وانخرط الجميع في حركة " الثورة العربية الكبرى" التي حكمت مسيرتها التوجهات البريطانية ووعودها للدولة العربية حسب انفاقات "حسين - ماكماهون "، كما تحكمت فيها نهاية التواطؤات الاستعمارية الغربية. فالقوى العربية المتحركة لإخراج القوى التركية من الحجاز والأراضي الشامية وجدت نفسها أمام تحد كبير عندما كشفت الثورة البلشفية التي قامت عام 17 عن أسرار الإتفاقات الفرنسية- البريطانية لتقاسم المنطقة واقامة كيان صهيوني وفقاً لخارطة سايكس بيكو ووعد بلفور. وعندما افتضحت نوايا الدول الاستعمارية، بينما جيش " الثورة العربية " مشتبك في أكثر من موقع، استحث القادة القوميون الذين انضموا إلى الجيش الذي على رأسه الأمير فيصل بن الحسين، حثوا خطواته واندفعوا به نحو دمشق ليدخلوها قبل دخول الجيش البريطاني بقيادة اللنبي، معولين على أن تحرير دمشق واستخلاص عاصمة الأمويين من أيدي الأتراك، بقواهم العربية الذاتية، مؤكدين حقهم في إقامة دولة عربية مستقلة من هذه العاصمة.دخلت الطلائع القوات العربية دمشق محررة في 30 ايلول (سبتمبر) وأعدتها لاستقبال موكب فيصل، الذي دخلها فارساً في 3 اكتوبر (تشرين أول) . إن الذين عاشوا تلك الحقبة ثم عاشوا من بعدها قيام الجمهورية العربية المتحدة ودخول عبد الناصر إلى دمشق، يشيرون إلى أوجه التشابه في حرارة الاستقبالات الشعبية والآمال الكبرى التي تفجرت في الحالين . والى دمشق توافدت وتجمعت فيها كل القيادات وفصائل النضال العربي والقومية العربية من بلاد الشام وأرجاء المشرق العربي . ومن اليوم الأول شكل فيصل حكومة برئاسة رضا الركابي لتمسك بزمام الأمور وتدير شؤون البلاد، سورية كلها وكل بلاد الشام . ولكن وفي الوقت الذي تمركزت فيه القوات والقيادات العربية في دمشق، كانت القوات البريطانية قد وضعت يدها على فلسطين وشرقي الأردن والعراق بينما نزلت الجيوش الفرنسية في لبنان وامتدت على طول الساحل السوري حتى اسكندرون وما وراء الاسكندرون .إن الجهود التي بذلت وتضافرت لإقامة دولة عربية مستقلة وموحدة لعموم سورية، مستخلصة من براثن السيطرة العثمانية ومن القوى الاستعمارية الغربية الطاغية، كانت ملحمة من الملاحم السياسية والنضالية منذ إقامة الحكومة الفيصلية الأولى في 3 اكتوبر/ (تشرين الاول) عام 18 وحتى سقوطها الأخير بعد معركة ميسلون في 24 يوليو (تموز) ودخول القوات الفرنسية دمشق دخول الفاتحين ليذهب، القائد الفرنسي غورو ويدق بقبضة سيفه على قبر صلاح الدين الأيوبي ويقول ها نحن عدنا يا صلاح الدين.إن تلك الدولة الفيصلية التي قامت من دمشق ولو أنها حاولت المستحيل في إطار موازين للقوى وظروف دولية لا تقوى على مغالبتها فضلاً عن قصوراتها الذاتية، فلقد وقفت عندها وعند تجربتها لما تقدمه من مؤشرات عما كان عليه الإدراك السوري ، وادراك النخب السياسية والثقافية والنضالية القومية في المشرق العربي، لقضية الأمة واستقلالها ووحدتها وتطلعاتها لإقامة دولة الأمة العربية المستقلة والتي بقيت تعطي مؤشرات مستقبلية.ففيصل الأول عندما ذهب على رأس الوفد العربي إلى مؤتمر السلام في 6 يونيو (حزيران) وفي خطابه أمام "مجلس العشرة" أكد على المطالب العربية انطلاقاً من مبدأ عام في حق الشعوب، الناطقة بالعربية في آسيا من ديار بكر حتى سواحل الهندي بالاستقلال والوحدة . وذهب فيصل بعد ذلك بهمه إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه لإقامة " دولة عربية سورية" من دمشق ، ولكن الصورة الأوضح لمعالم الوعي القومي الذي كان في سورية للوحدة ودولة الأمة ، جاءت في الصيغة التي قام عليها " المؤتمر السوري العام " كمجلس تأسيسي منتخب، والذي ضم ممثلين لمختلف فصائل "الثورة" والحركات العربية، والذي تشكلت من خلاله تيارات وأحزاب سياسية متعددة، وفيما جاءت عليه قرارات ذلك المؤتمر في جلساته التي عقدت شهر حزيران (يونيو) عام 1969 في " النادي العربي " بدمشق والتي جاءت تعبيراً عن مطالب قوى الأمة وتطلعاتها وتعاملها مع الظروف الدولية المحيطة بها، ولقد سجل المؤتمر في قراراته إبلاغ احتجاجه واعتراضه على ما جاء في ميثاق عصبة الأمم حين وضع سورية في عداد الأمم المحتاجة للانتداب. وأكد المؤتمرون على استقلال سورية التام (سورية الطبيعية) وفي إطار وحدة عربية مستقلة دون أية حماية أو وصاية، بل مجرد استعانة فنية واقتصادية بالدول الغربية ؛ وأن تقوم الدولة ويقوم الحكم على أساس البرلمانية واللامركزية مع الأخذ بعين الاعتبار حقوق الأقليات وتأمين المساواة بين المواطنين جميعاً، كما قرر أن يتوج فيصل ملكاً على البلاد السورية بأجمعها، وأن يقيم حكومة ملكية شورية مسؤولة أمام الأمة. وأعلن المؤتمر عن احتجاجه على كل معاهدة سرية بتجزئة سورية وكل وعد يرمي إلى كيان للصهيونية في فلسطين، كما أكد على احترام الوضع الخاص بلبنان. ولكنه أكد في الوقت ذاته على تحقيق المطالب ذاتها بالنسبة للعراق من غير أن تقوم فواصل أو حواجز اقتصادية بين البلدين، مع التأكيد على أن استقلال سورية يبقى حجر الزاوية لاستقلال البلاد العربية، وهذا ما سمي وقتها ببرنامج دمشق، البرنامج الذي جاءت لتطويه ثم لتطوي كل تلك التطلعات الوحدوية، الحملة الاستعمارية، لتجزأ سورية الطبيعية وتقسم حسب خارطة اتفاق سايكس- بيكو بل وأكثر. وليؤخذ منها بعد ذلك ويقتطع ما يقتطع ثم ليمتد التقسيم والتجزئة إلى داخلها بتدابير سلطات الانتداب الفرنسي .لقد أدت الحرب العالمية الأولى وتصفية تركة الامبراطورية العثمانية وتقاسمها بين الدولتين الاستعماريتين بريطانيا وفرنسا، إلى تكريس نظام شرق أوسطي تجزيئي ومسيطر عليه. فبعد أن جرى عزل مصر منذ الاحتلال البريطاني عام 82، ويعد إسقاط احتمالات قيام دولة عربية موحدة ومستقلة في المشرق العربي، أخضعت المنطقة لقيود التجزئة المتحكم فيها استعمارياً، قطعاً لطريق التحرر والنهوض والوحدة للأمة العربية. والحرب العالمية الثانية وإن فتحت الطريق أمام عملية خلع الاستعمار القديم في العالم ، فلقد حرصت القوى الامبريالية الغربية بقديمها وجديدها على تكريس النظام الشرق أوسطي، كنظام يقوم على التجزئة للتمكن من إخضاعه لنفوذها. ولقد أرادت تعزيزه وتكريسه بإقامة الكيان الصهيوني في قلبه. وهذا النظام الشرق أوسطي العتيق لم يجر اختراقه وتخطي قيوده، وبعد كل نضالات شعوب المنطقة على طريق الاستقلال الوطني، إلا بعد قيام الثورة الناصرية في مصر واقتلاع أسوار العزلة عن مصر، وبعد تأميم القنال وكسب حرب السويس وكسر أطواق الأحلاف والقواعد العسكرية الأجنبية من حلف بغداد إلى مبدأ ايزنهاور، وبعد مد جسور الوحدة بين مصر وسورية من فوق حواجز التجزئة...بعضهم يقيم مقارنة بين معركة التل الكبير التي آسقطت ثورة وطنية مصرية وفتحت الطريق للاحتلال البريطاني لمصر، وبين معركة ميسلون التي أسقطت أمل قيام وحدة أو دولة عربية موحدة في الشرق، بعد إسقاط كل مشروع " الثورة العربية الكبرى" كما سميت، ولكن مصر بقيت هناك كتلة واحدة وشعباً واحداً ومجتمعاً واحداً ، وان عزلتها عن مشرقها صحراء سيناء والقوات البريطانية المرابطة في قناة السويس، ولكن سورية اخضعت بعد ميسلون لعملية تقطيع وتوزيع . وبعد أن انطوت على كيانها الشمالي هذا، تحت الانتداب أخضعت لعملية تقسيم وفصل من داخلها وتقسيم مجتمعها وشعبها إلى تقسيمات جغرافية واثنية وطائفية تجعل منها كيانات متفرقة. ولكن طلائعها وتياراتها الوطنية، وفي كل معارك نضالها وثوراتها التي لم تتوقف ضد الاحتلال ، ما كانت تجد سبيلها إلى صياغة وحدتها الوطنية الداخلية إلا من خلال التمسك بهويتها القومية العربية وتطلعاتها الوحدوية.عند سقوط الدولة الفيصلية العربية في دمشق بعد معركة ميسلون وطرد الملك فيصل من دمشق ووقوع سورية تحت الاحتلال الفرنسي، انفض الشمل الذي كان يجمع قيادات فصائل القومية العربية وحركة الثورة والوحدة، وتبعثرت في أرجاء الوطن العربي، ولجأ أكثرها إلى العراق ليتجمع من جديد حول الملك فيصل الذي عوضته السلطة البريطانية بعرش بغداد عن عرش دمشق . وما أن حصلت العراق على شيء من الاستقلال بعد نضالات شعبه وثوراته الوطنية، إلا وأخذ يرتفع صوت القومية العربية ونداءات الوحدة والاستقلال هذه المرة من بغداد. وهنا أخذت الحركة الوطنية السورية وهي تناضل من أجل الاستقلال، أخذت تتطلع بأفكارها الوحدوية بل ومدت تنظيماتها السياسية باتجاه بغداد طلباً لمساندتها في الحصول على استقلالها كما توجهت بآمالها القومية نحو زعامة الملك فيصل ثم وبخاصة، نحو زعامة ابنه الملك غازي الفتى الجسور والمقدام في تطلعاته الاستقلالية والوحدوية. وتلك حقبة صارت الطلائع الوطنية والقومية في سورية تصف فيها دولة العراق بأنها بروسيا العرب ويتطلعون إلى أن تكون القاعدة والمنطلق لوحدة الأمة كما كانت بروسيا قاعدة ومنطلقاً للوحدةالألمانية.مات غازي أو قتل غيلة، وكان مأتمه في دمشق أكبر من مأتمه في بغداد، وجاءت الحرب وقامت ثورة رشيد عالي الكيلاني ومعه الضباط القوميون الأحرار، تطرد الوصي على العرش الموالي، وتتصدى لمواجهة الزحف العسكري البريطاني على بغداد. وقامت سورية، وهي تحت الانتداب، لنصرة العراق . ولكن الثورة انكسرت، وعاد الحكم الموالي والخاضع للنفوذ البريطاني . وانقطع طريق بغداد إلى الاستقلال والوحدة، لتتقدم فيما بعد مشاريع من بغداد لاحتواء سورية، والتحرك الوحدوي والتقدمي في سورية، في إطار وحدة شكلية مهيمن عليها خارجياً وفيما طرح تحت عنوان وحدة الهلال الخصيب من جديد.لقد أغلقت البوابة الشرقية أمام التطلعات السورية، وخيمت على المنطقة ظروف الحرب العالمية الثانية وما خلقته ظروف تلك الحرب من انشداد سوري نحو الجنوب ونحو مصر تخصيصاً في تواصلها الثقافي وبعثاتها العلمية، وكذلك في حركة الاقتصاد والأسواق . وفي إطار حركة القوى والجيوش، والتعامل مع تطلعات القوى المنتصرة إلى إعادة ترتيب أوضاع العالم وأوضاع المنطقة، قامت جامعة للدول العربية كمنظمة إقليمية مقرها القاهرة . ودخلت سورية عهد استقلالها الوطني . ولكن المنطقة دخلت بالمقابل عهد إقامة الكيان الصهيوني والحروب العربية الإسرائيلية. وانتهت حقبة، ودخلنا حقبة جديدة في تطلعاتنا القومية الوحدوية. وقامت انقلابات وتصدعت أنظمة وعروش، ثم كانت الثورة، وتقدم مصر عبد الناصر بثورتها على طريق القومية العربية، مادة البصر عبر سيناء إلى الأمة وقضايا الأمة، وارتسمت معالم الطريق السورية إلى الوحدة في تطلعات شعبنا السوري وحركة الشعوب، وهي طريق الثورة والطريق إلى مصر الثورة ، وإلى مطلب وحدة مصر وسورية أولاً طريقاً للمواجهة وطريقاً إلى التقدم العربي ونهوض الأمة.الوحدة والطريق إلى الوحدة في الحقبة الناصريةأياً ما كانت التقييمات المختلفة التي جاءت لتلك الحقبة من حياة أمتنا العربية والتي عاشتها تحت أعلام الثورة الناصرية، فإنها تبقى حقبة النهوض البارزة في هذا العصر لأمتنا، ويبقى عنوانها الكبير النضال في سبيل تحررها وتقدمها ووحدتها . وتلك تبقى شهادة التاريخ ، كما قال جمال عبد الناصر في آخر كلماته إلى الأمة، شهادة " مبرأة من العقد ومن الأهواء ومن التحزب ومن النسيان . "ونحن نسميها حقبة ناصرية، بالنسبة للأمة وشعوب الأمة وحركة القومية العربية عامة، تلك الحقبة من تاريخ نضالنا العربي، التي كان المدخل إليها قيام حركة الضباط الأحرار بثورتهم الوطنية في 23 يوليو عام 52. ولكن ناصريتها، أي ثوريتها الحقة كثورة قومية عربية تقدمية، ما برزت وتوضحت إلا عندما أمسك عبد الناصر بزمام الأمور عام 54 وأبعد عن رئاسة الدولة والحكم تلك الواجهات التقليدية والانتقالية وسد طريق الرجعة والردة، وأخذ يتوجه بخطابه مباشرة إلى الشعب، في كل القضايا، وليرتفع بالوعي السياسي للشعب. وحين أخذ يتوجه بخطابه إلى الأمة وشعوب الأمة، ومنذ أن أطلق صوت مصر الثورة إلى العرب، من إذاعة "صوت العرب "، منادياً :" أخي العربي، ارفع رأسك يا أخي وانهض فقد انتهى عهد الاستعباد ". ومنذ أن أعطى للثورة ولمصر وشعب مصر هويتها القومية العربية الخالصة، وأكد في كلمة له بمناسبة العيد الثاني للثورة " نحن أمة عربية واحدة ، هذا أول الطريق وآخره... " ، ولكنه انتظر أن ينجز مهمات للاستقلال الوطني الكامل لمصر وتوقيع اتفاقية جلاء القوات البريطانية عن قاعدة قناة السويس في اكتوبر عام 54 ، ليمسك بمشروعه القومي، وليمد لا البصر والفكر وحده وانما الاهتمام والحركة والعمل إلى المشرق عبر سيناء ومابعد سيناء ، ولينطلق بمصر الثورة ورسالتها إلى الدوائر الثلاث لحركتها، العربية أولاً ومنها إلى الاسلامية والإفريقية. ولينتقل بثورة يوليو من طورها المصري الوطني الأول ، إلى طورها القومي العربي الأشمل، ولتأخذ مصر الثورة دورها كقاعدة ثابتة ومرتكز لحركة التحرر العربي ولما هو أبعد، ولتأخذ مسؤوليتها كاملة في الاهتمام بكل قضايا الأمة العربية. وباسم الأمة، وفي حالات عديدة نيابة عن الأمة كلها، خاضت المعارك والحروب ضد اعداء الأمة، ودفاعاً عن وجودها وحقوقها وأرضها.ملاحم كبرى خاضها عبد الناصر وخاضتها مصر عبد الناصر، من ملحمة تأميم قناة السويس وصد العدوان الثلاثي، إلى ملحمة وحدة القطرين وإلى إسقاط حلف بغداد والأحلاف الاستعمارية ومبدأ إيزنهاور، كلها معارك خاضها وشعوب الأمة معه. ولقد ساند وأمدّ كل ثورات شعوب الأمة، من ثورة الجزائر إلى ثورة العراق وثورة اليمن . وكل انتصار كان انتصاراً للأمة ووحدة مصير شعوب الأمة. وصار عبد الناصر بمواقفه وهو التعبير عن الأمة كلها وطموحات الأمة، بل وحتى الانكسار في حرب حزيران عام 67 صار انكساراً للأمة كلها . ولكن عبد الناصر قدر على النهوض من جديد وبإرادة شعوب الأمة، ليقف في وجه الهزيمة ولإزالة آثار ذلك العدوان على الأمة، كما لم ينهض أحد بمصر وقوة مصر وبتلاحم قوى الأمة معها ، لإزالة لطخة الهزيمة عن علم الثورة وليرفع آثارها عن كاهل الأمة وأرضها. ولكنه قضى قبل أن يبلغ بالأمة ذلك الهدف الذي حدده طريقاً لتستأنف الأمة بعده مسيرتها إلى أهدافها الكبرى وإلى الوحدة . وطويت تلك الحقبة وهي ما طويت إلا عندما وقف السادات بحركة الجيوش وبقوة الأمة المساندة لحركة الجيوش . في حرب تشرين، كما كان قد رسم وأعد عبد الناصر، لتقف، بعد العبور، وليتحول السادات بمصر عن الناصرية وطريق عبد الناصر، إلى طريق كمب دافيد وأمريكا، لتنعكس الأمور ويتحقق الهدف الذي رمى إليه عدوان حزيران وكل عدوان على الأمة العربية ووحدة الأمة، في نزع الناصرية عن مصر وعزلها عن أمتها وعن دورها القيادي لأمتها.تلك هي الصورة التي تشكلت في إدراكنا هنا من سورية لمصر عبد الناصر وللدور الذي أخذه عبد الناصر في قيادة الأمة. إنها صورة لم تأت دفعة واحدة ولا دخلت تسللاً ، بل هي جاءت عبر عملية نضج سياسي وانضاج في وعي شعبنا، تقدمت طوراً بعد طور، وعبر معارك النضال التي خاضها الشعبان في مصر وسورية، وكان لخطاب عبد الناصر المتوجه مباشرة إلى الشعوب وحركة الشعوب، موضحاً كل موقف وكل خطوة وكل قضية، الدور الكبير. ومن خلال هذا الإدراك صار خيار الشعب السوري لطريق الوحدة مع مصر خياراً ملحاً ولا تراجع عنه. ولقد استمر إلحاحه والدفع إليه طول تلك الحقبة الناصرية ، وليبقى من بعدها رصيداً لتطلعات مستقبلية.فكيف تشكل وقام ذلك الطريق السوري إلى الوحدة وماذا جاء عليه وتقدم إليه، ليصبح طريق سورية إلى الوحدة مع مصر عبد الناصر ، وهي الطريق لتغلبها على مصاعبها وانقساماتها الداخلية، وللوقوف في وجه الضغوط والمؤامرات الخارجية، التي تتهددها بالإخضاع والاحتواء أو الغزو.عندما قامت حركة الضباط الأحرار بالثورة في مصر عام 52 كانت سورية تعيش تحت وطأة الانقلابات العسكرية المتوالية، وكانت تعاني من كل ما أنتجه في المنطقة وداخل المجتمعات العربية، انكسار جيوش الأنظمة العربية أمام "العصابات الصهيونية" وقيام الكيان الإسرائيلي، ثم من كل ما صارت إليه أحوال المنطقة العربية وما أدخلته عليها القوى الغربية من ترتيبات وتحالفات بل ومؤامرات لإخضاعها لمصالحها ، ومخططاتها في المواجهة مع الاتحاد السوفياتي والمعسكر الشيوعي. فالقوى الوطنية التقدمية والقوى القومية في سورية، التي كانت تعيش في دوامة الصراع الداخلي بين القوى على السلطة، والضغوط والتآمر على سورية من الخارج، لم تستكشف من البداية حقيقة ثورة 23 يوليو في مصر ولا حقيقة قيادة عبد الناصر، بل وضعتها في صنف الانقلابات العسكرية التي عانت منها وعانت من استبداديتها، وحتى بعد أن قدرت تلك القوى على إسقاط نظام أديب الشيشكلي الدكتاتوري العسكري في الأشهر الأولى من عام 54 ظلت تتطلع بشكوكها إلى ما يجري في مصر، بل وأظهرت تعاطفاً مع تحركات الأحزاب الرجعية والإخوان المسلمين في نزاعها مع الثورة وقيادة عبد الناصر. ولكن شيئاً فشيئاً أخذت الصورة تتوضح، صورة مصر الثورة والتقدم، وصورة قيادة عبد الناصر للثورة وسياسة عبد الناصر.وهكذا فإن "صوت العرب " الموجه إلى الأمة وشعوب الأمة، وخطاب عبد الناصر الذي أخذ يرتفع في كل مناسبة وطنية آو قومية وحدث، ومواقف عبد الناصر الجريئة والقاطعة المعادية للاستعمار والمشاريع الاستعمارية والمعادية للرجعية، والتي تسير في خط التقدم والالتزام بمصالح الطبقات الشعبية، أخذت تشد أنظار وعواطف الشعب السوري نحو مصر وقيادة عبد الناصر. بل ومنذ تلك البداية، فإن تعاطف القواعد الشعبية مع مصر عبد الناصر سبق القيادات السياسية والحكومات وصار يشكل عاملاً ضاغطاً عليها باستمرار.وفي عام 55 ومن مطلعه، أخذ صوت عبد الناصر يرتفع عبر المذياع في الأماكن العامة والمقاهي في سورية ويتجمع الناس ليستمعوا إليه في كل مناسبة وصار الدليل، بل وصارت صورة عبد الناصر تتصدر البيوت. وأخذت الرسائل والوفود الشعبية تذهب إلى عبد الناصر وإلى لقاء عبد الناصر، قبل أن يذهب الرسميون والحكام . ومنذ بدايات عام 1955 استتبت الأوضاع في سورية لحكم وطني قام على تحالف برلماني وحزبي عريض للقوى الوطنية والتقدمية وعلى ميثاق قومي يؤلف بينها. وصار يتطلع في سياسته العربية إلى التآذر والتعاون مع مصر أولاً . وهذا الحكم على ما كان يتنازع أطرافه من تناقضات، وما كان يحاك حوله ويتجاذب فيه من مؤامرات، تكشفت فيما بعد، فلقد أخذ منهجاً ذا طابع وحدوي تحت الضغط الشعبي العام ومظاهراته ومطالبه، وتحت ضغط القوى القومية الوحدوية من داخله وفي مقدمتها حزب البعث العربي الاشتراكي . وهكذا سارت السياسة السورية قي خط مواز وموثق الخطوات مع سياسة مصر الثورة، من رفض الأحلاف العسكرية وسياسة الأحلاف الموالية للغرب، والوقوف في وجه إسرائيل والعدوان الإسرائيلي المتحفز، إلى كسر احتكار السلاح والتزود بالسلاح السوفياتي، مع الأخذ بسياسة الحياد الإيجابي والوقوف مع جبهة دول عدم الانحياز.وفي مواجهة التهديدات الإسرائيلية والاستعمارية والرجعية، أخذ التعاون بين مصر وسورية، صيغة التعاون السياسي والتحالف العسكري والمواثيق الثنائية للدفاع المشترك. واللافت للنظر أن الوفد الحكومي السوري الذي ذهب إلى القاهرة لتوقيع ميثاق الدفاع الثناني عام 55، طرح أمام عبد الناصر مطلب سورية في السير بمشروع لإقامة الوحدة بين مصر وسورية. ولكن الأمور وقفت عند هذا الطرح. أما الحركة الشعبية في سورية فلم تتوقف وظلت تضغط.وفي 14/ 6/ 56 تشكلت "حكومة قومية" جديدة في سورية، وصار الإصرار على ان ينص البيان الوزاري المقدم أمام المجلس النيابي، صراحة على العمل من أجل تحقيق الاتحاد بين مصر وسورية، وانهالت البرقيات والضغوط الشعبية والمظاهرات من كل المناطق السورية تطالب. واعطى المجلس الثقة للوزارة على هذا الأساس وأقر تشكيل لجنة وزارية لإجراء التفاوض واعلام مصر بهذا القرار الذي قابله عبد الناصر بالترحاب، ثم جاءت قضية السويس وحرب السويس لتصنع الوحدة في المعركة.في الخطاب التاريخي الذي ألقاه عبد الناصر يوم 26 يوليو عام 56 في الاسكندرية وأعلن في ختامه تأميم قناة السويس، بدأ بوضع القضية في إطارها القومي، كمعركة للأمة وقال عبد الناصر: " وفي المواجهة كلنا نعمل من أجل قوميتنا، كلنا نعمل من أجل عروبتنا، وكلنا سندافع من أجل حريتنا وعروبتنا وسنعمل حتى يمتد الوطن العربي من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي، فالقومية العربية تتقدم وستنتصر وهي تعرف طريقها. " ثم أضاف :" وأنا اليوم أتوجه إلى أخوان لنا في سورية، لقد قرروا ان يتحدوا معكم اتحاداً سليماً عزيزاً كريماً لندعم مباديء الكرامة، ولنرسي سوياً قواعد القومية العربية والوحده العربية. نرحب بكم أيها الأخوة وسنسير معاً متحدين، بلداً واحداً ورجلاً واحداً، وسنسير معاً لنقيم في ربوع الوطن العربي استقلالاً سياسياً حقيقياً واستقلالاً اقتصادياً حقيقياً... ". وجاء الحديث الذي هز الدنيا، وحرك الأمة وكل شعوب الأمة تطلعاً نحو مصر، كما حرك كل قوى الاستعمار والقوى المعادية للأمة ضد عبد الناصر ومصر عبد الناصر، وما صارت تجسده مصر عبد الناصر كطليعة متقدمة ومقاتلة، لا بالنسبة لحركة التحرر العربي وحدها بل ولكل حركات التحرر الوطني في العالم.وفي الانتصار لمصر في معركتها الكبرى تلك التي فتحت، كان الشعب السوري في الطليعة تصميماً والتزاماً بوحدة المصير. ولكن شعوب الأمة كلها تطلعت بنضالها نحو مصر، إنها الوحدة في المعركة كما أرادها عبد الناصر، معركة الأمة مع أعدائها وفي المقدمة إسرائيل .تشكلت في سورية على الفور بعد التأميم " الهيئة العربية لنصرة مصر" ، وفي 16 أغسطس (آب) أضربت سورية إضراباً عاماً وقامت مظاهرات كبيرة عمت أرجاء القطر تحت شعارات نصرة مصر ومطلب الوحدة مع مصر. كما استجابت أكثر العواصم العربية للدعوة لهذا الإضراب بل وإن الثورة الجزائرية يومها شنت سبع هجمات لمقاتليها في وقت واحد ضد مواقع الاستعمار الفرنسي كتعبير عن تضامنها مع مصر.بات العدوان على مصر وشيكاً، كما كان هناك تحسب من أن تضرب إسرائيل في الأردن أو تضرب سورية. وتحولت اتفاقات الدفاع الثنائية إلى ثلاثية بين مصر وسورية والأردن لتوحيد جبهاتها في المواجهة. وفي عشية 29 أكتوبر بدأت إسرائيل الهجوم من سيناء باتجاه السويس . وفي اليوم التالي جاء الإنذار البريطاني الفرنسي وتكشفت أبعاد العدوان الثلاثي المبيت . ورقف عبد الناصر قويأ ثابت الجأش ووقف شعب مصر كله وراء جبهة واحدة يقاتل . ووقفت شعوب الأمة تتطلع إلى مصر، ووقف شعب سورية يطالب بالمشاركة في المعركة.لم يرد عبد الناصر توريط الجيش الأردني ولا الجيش السوري في القتال وفتح جبهاتهما أمام إسرائيل، بعد أن تكشفت أمامه أبعاد العدوان ومراميه فمطامع إسرائيل في الأردن لم تكن خافية، كما كانت قد تكشفت خيوط مؤامرة كبرى حبكت بالتواطؤ مع أطراف سورية لضرب سورية في التوقيت ذاته الذي حدد لغزو مصر. وطالب عبد الناصر الأردن وسورية بالترقب والحذر، وحمل وشعبه عبء الدفاع لا عن مصر وحدها، بل وعن حرية الأمة كلها.ولكن الشعب السوري ظل في تحفز وظل في غليان يطلب المشاركة، بل وتحركت بعض مواقعه وقواه من غير أن تنتظر أذناً حكومياً بالحركة. ففي اليوم الثالث للعدوان مثلاً وعندما أخذت الطائرات البريطانية تقصف محطة إذاعة القاهرة وصوت العرب وسكت البث منها لفترة، أخذت الإذاعة السورية على الفور مبادرتها وارتفع صوتها من دمشق يقول هنا القاهرة، وأخذت تبث المارشات العسكرية وتذيع نيابة البرقيات الواردة وأخبار المعارك وتحث على القتال وعلى مشاركة الأمة. وذهب فصيل من الجيش السوري بتوجيهات مباشرة من المكتب الثاني، فقام مع مجموعة من العمال بنسف أنابيب النفط عند ثلاث محطات للضخ، فقطع كل سبيل لإمداد القوات البريطانية والغرب بالنفط العراقي، وأعلن اتحاد العمال مسؤوليته عن الحادث، وهكذا وضع الشعب السوري نفسه في قلب المعركة.ومعركة مصر وملحمة بورسعيد عاشتها الأمة وشعوب الأمة كلها وصارت تاريخاً جديداً للأمة. وأثبتت مصر أنها القلعة الحصينة بشعبها وقيادتها والطليعة المقاتلة للأمة. انتصرت مصر عبد الناصر، وخرج عبد الناصر من المعركة بطلاً للأمة ورمزاً لعنفوانها، وصار قائداً لشعوب الأمة كلها تتوجه إليه بأنظارها من غير منازع . وتأكدت من جديد بالنسبة لسورية طريقها إلى الوحدة كما لم تتأكد في أي فترة مضت: الطريق إلى مصر موئلاً ومرتكزاً وإلى عبد الناصر قائداً ورئيساً .انحسر العدوان الثلاثي عن مصر بعد أن فشل في إسقاط عبد الناصر وإسقاط الثورة في مصر، وفشل في عزل مصر وإبعادها عن قيادة أمتها. فتحول العدوان، بعد أن صار رباعياً بانضمام الولايات المتحدة الأمريكية وطرحها مبدأ الزنهاور لسد الفراغ ، تحول باتجاه سورية ولضرب سورية وعزلها عن مصر، وضرب التوتر التقدمي والوحدوي لشعبها، وما يحرك في المنطقة شعبها. وعمد إلى تحريك التآمر والمؤامرات داخلها، ومحاصرتها بحلف بغداد وبتهديدات قوات حلف بغداد، وقام الشعب السوري بدوره للمواجهة. وعندما حشدت الجيوش على الحدود التركية والعراقية في خريف عام 57 وبات العدوان وشيكاً أرسل عبد الناصر بقطعات من الجيش المصري (3) لترابط إلى جانب الجيش السوري وأرفق ذلك بحملة إعلامية تؤكد وقوف مصر في المعركة مع سورية.كان عبد الناصر، وفي حديث له مع كرانجيا في 10 مارس (آذار) من ذلك العام 57 ، قد أجاب على سؤال بشأن الوحدة العربية بقوله :" أنا لا أفكر الآن في أي نوع من الاتحاد الفدرالي أو التعاقدي أو غيرها من أشكال الوحدة بين الدول العربية، ولكنني أوجه عنايتي أولاً إلى اتحاد أفكارنا وإيماننا بالقومية العربية. وقد أثبت التاريخ أن توحيد جبهة العرب كان السبيل إلى نجاحهم في قهر العدوان عليهم والمحافظة على استقلالهم. " وجاء كلام عبد الناصر وقتها في الرد على ما كانت تثيره القوى المعادية من دعايات تتهم عبد الناصر بالتطلع إلى مد سلطان مصر إلى الجوار واقامة امبراطورية له. ولكنه وبعد هذا ظل يقول : " لا يمكن أن تقوم هناك وحدة إلا إذا تحققت مقوماتها برابطة قوية لا تنفصم عراها من النواحي الثقافية والاقتصادية والسياسية والعسكرية. "ولكن الأمور على الجانب السوري، بل وعلى صعيد التحركات الشعبية والبرلمانية للقطرين، لم تعد تقبل الانتظار وصارت تستعجل الخطوات.ذهبت وعادت وفود برلمانية ووفود شعبية عديدة إلى مصر وللقاء عبد الناصر رافعة مطلب الوحدة واستعجالها.وبعد توجيه دعوة من رئاسة المجلس النيابي السوري (أكرم الحوراني) إلى رئيس مجلس الأمة المصري (عبد اللطيف البغدادي)، جاء إلى سورية في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) وفد يضم أربعين عضواً من مجلس الأمة وعلى رأسهم أنور السادات، ونزل الشعب السوري كله مرحباً منادياً بالوحدة وعبد الناصر. وعقدت جلسة مشتركة في البرلمان السوري جلس فيها أعضاء مجلس الأمة على مقاعد النواب إلى جانب السورين ورفع على صارية المجلس العلم المصري إلى جانب السوري، وكانت جموع لا تحصى تحيط بالمجلس هاتفة عندما صودق في تلك الجلسة على مشروع قرار مشترك بإلزام الحكومتين المصرية والسورية، بالدخول فوراً في مباحثات لاستكمال أسباب اتحاد البلدين . وفي اليوم التالي ومن غير تأجيل، أقر المشروع مجلس الأمة المصري . وبدأت الأمور تتحرك، وظل الشارع السوري يضغط ولا يتوقف، ولكن اعداء الوحدة ومن لا يرون مصالحهم في تلك الوحدة أخذوا يتحركون أيضأ ويحركون الدسائس.منذ اليوم الأول لعام 1958 صار الدفع على طريق الوحدة في الجدول اليومي لحركة القوى والأحداث. وبينما كانت قيادات البعث كلها مجتمعة، القيادة القومية والقيادة القطرية للحزب واللجنة البرلمانية، تتدارس صياغة مشروع لوحدة فدرالية تجمع مصر وسورية ومنفتحة لغيرهما من الأقطار العربية المتحررة، ومشروع دستور لدولة الوحدة، جاء اللواء حافظ اسماعيل إلى دمشق لينقل وجهة نظر عبد الناصر فيما يتعلق بالدفع على طريق الوحدة، إلى قيادة الجيش السوري ومجلس ضباطها وإلى وزير الخارجية صلاح الدين البيطار، مطالباً بعدم استعجال الأمور، والاكتفاء في الوقت الحاضر بتشكيل لجان لمختلف المجالات للبحث والإعداد، قائلاً ان الوصول إلى وحدة سياسية ودستورية يمكن أن يتطلب خمس سنوات من العمل . كما عبر عن التحسب من تبدلات مفاجئة يمكن أن تقع . ولكن الرد السوري جاء فورياً ولم ينتظر ففي ليل 11 يناير (كانون الثاني) طارت القيادة العسكرية السورية بجمعها إلى القاهرة، ولحق بها بعد يومين وزير الخارجية يحمل قرار الحكومة، والبقية قصة معروفة ومازال يدور حولها جدال، إلى ان اتخذ عبد الناصر قراره وقامت الوحدة، وذلك النظام الذي قام لدولة الوحدة.لعلني أسهبت في سرد تسلسل الأحداث والمواقف التي أوصلت إلى تلك الوحدة، لأمسك منها بمعالم تلك الطريق السورية التي أوصلت إلى الوحدة ، والتي تقطعت من بعدها الدروب وتعثرت . إلا أنها تظل تدل سورية إلى مصر وتظل تدل مصر إلى سورية بعد كل ما قام ويقوم من حواجز وبعد كل ما قام بعد تلك التجربة من محاولات وتجارب.ولكن الحقبة الناصرية لم تقف عند وحدة عام 58 أو عند انفصالها بل ظل لها تواصلها وامتدت بعدها بل وظل لها تواصل في سورية، ولدى الحركة الشعبية المتحفزة في سورية. من الوحدة إلى الانفصال الصعبفي مذكرة للأستاذ حسنين هيكل سجلها عن لقاء مع عبد الناصر في 21 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 61، أي بعد مرور أقل من شهرين على واقعة الإنفصال، ينقل عن عبد الناصر قوله : " لقد ثبت ان الوحدة ممكنة. والآن يظهر وغداً سوف يتحقق اكثر، أن الإنفصال صعب. والآن فإن تركيز العمل العربي يجب أن يكون في مصر، فمصر يجب أن تصبح بالفعل الدولة النواة في الوحدة العربية الممكنة. وأن تصبح النموذج الذي يمكن أن يقدم المثل لبقية الأمة. فهي الآن بالتعبير العسكري القاعدة الحصينة التي يمكن الدفاع عنها والبقاء فيها. "ولقد بقي عبد الناصر في مصر، ولكنه أبقاها " جمهورية عربية متحدة " ، وقام يبني ويحصن، ولكنها بقيت في تطلعات الشعب السوري موئل الوحدة ونواتها. وكانت ضربة الانفصال قد أخذت الشعب على حين غرة، ونزل الشعب بكل غضبه إلى الشوارع مستنكراً ويؤكد التمسك بالوحدة. ونزل على عفويته ومن غير قيادات يدافع، وكان من نقائص حكم الوحدة في سورية " الإقليم الشمالي " أنه أخلى الساحة من القيادات السياسية والحزبية ولقد ظل الانفصال صعباً ولم يقو على الاستقرار، وظل شعار عودة الوحدة وعبد الناصر المحرك للنضال الشعبي الذي لم يتوقف . وعندما قامت "ثورة 8 آذار" في دمشق أبرقت القيادة العسكرية لتلك " الثورة " إلى عبد الناصر تقول : لقد ثأرنا للانفصال ومحونا عاره. وأصحاب 8 آذار خلعوا القوى الانفصالية من الحكم لكنهم لم يخلعوا الانفصال ولم يذهبوا بالوحدة إلى مصر ولم يأتوا بعبد الناصر إلى دمشق . وطرح في الشارع السياسي شعار الوحدة المدروسة والوحدة الثلاثية التي تجمع سورية ومصر والعراق، لتعود الوحدة شعاراً ولتبقى شعاراً حتى الآن: ونزلت الجماهير الوحدوية الغفيرة إلى الساحات تطالب- وتضغط بعد أن لم تجد أمامها طريقاً ملموسة ومباشرة تضع هذا الشعار موضع الممارسة.إن مجريات مباحثات الوحدة الثلائية التي جرت في القاهرة بين عبد الناصر والأطراف السورية والعراقية في آذار ونيسان عام 63 مسجلة ومنشورة لمن يريد العوده إليها، وهي معروفة أيضاً بمجرياتها والنتائج التي وقفت عندها ثم اختلفت.. فلقد كانت هناك أزمة ثقة وما كان عبد الناصر مطمئناً لنوايا الآخرين أو صدق تصميمهم الجماعي على السير في طريق الوحدة . وأزمة الثقة وجدت تعبيرها في الإعلام، والشارع الشعبي أخذ يتفاعل وينفعل.كانت حكومة الثورة المنتصرة في الجزائر وعلى رأسها أحمد بن بلا، قد أخذت رصيدها المعنوي الكبير لدى شعوب الأمة، بل وكان لدى الكثيرين تطلع أن يكون لها هي أيضاً مدخلها القريب إلى الوحدة. وفي نيسان (ابريل) جاء وفد رفيع المستوى من الجزائر يجول على عواصم الأقطار الثلاثة يستكشف ويسعى إلى تعزيز أواصر الثقة. جاء الوفد برئاسة هواري بومدين، ومعه وزير خارجيته بوتفليقة إلى دمشق بعد زيارة القاهرة وبغداد، ليجد دمشق تحت وطأة منع التجول والشوارع خالية إلا من رجال الأمن ومن دبابات الجيش المحيطة بالإذاعة ودوائر الدولة، وعندما عرف أن السلطات لم تجد إلا هذا المنع سبيلاً لقمع الغليان الشعبي والمظاهرات التي لم تهدأ والمطالبة بالوحدة وعبد الناصر، عندما قال بومدين أمام "مجلس قيادة الثورة" السوري : " أرى أن الشعب السوري صار مصاباً بمرض الوحدة، ولا يرى علاجاً بدونها... "(4). ولقد وجد وقتها من يرد ويوضح، فالشعب السوري كان قد طعن كثيراً في تطلعاته وآماله الوحدوية وقد غدر به عند الانفصال . وهو مازال يرى في قيادة عبد الناصر ومصر عبد الناصر فرصته التاريخية لاستعادة الوحدة بل ووحدته الداخلية أيضاً، ولا يريد أن تضيع الفرصة المتاحة اليوم .وضاعت تلك الفرصة وقام ما يعترض الطريق بين سورية ومصر، وتحولت أنظار الذين أمسكوا بالسلطة والحكم في سورية بتطلعات الوحدة إلى العراق، ولكن الشروخ أو الانقسامات الداخلية في العراق، شأنها شأن الشروخ التي قامت في سورية والصراعات على السلطة، لم تكن تعطي مرتكز وحدة للأمة لا هنا ولا هناك، بل قام بينهما الافتراق ومازال، وبعد كل المحاولات التي جرت بعدها لرأب الصدوع وفتح الحدود . أما التمسك بطريق الوحدة المتوجه بإصرار إلى مصر وعبد الناصر، فقد ظل المبدأ والنهج الذي أخذ به تيار شعبي عريض في سورية مازالت له استمراريته، وبهذا صار لسورية أيضاً ناصريتها وناصريوها، كما صار أيضأ لأقطار عربية غيرها وشعوبها . ما كان التلهف للوحدة والإصرار على استعادة الوحدة مع مصر عبد الناصر، علة من العلل السياسية لدى الشعب السوري، بل كان التطلع للوحدة في الإدراك العام لتيار عريض من الشعب وهو دليل الصحة والحس السليم من حيث أنها الطريق لخلاص الأمة من تخلفها وقصوراتها ومن ضعفها أمام أعدائها. وبعد الانفصال صار الإصرار عليها وعلى استعادة الوحدة ملحاحاً، لكي لا يتكرس ذلك التصور للفشل ولعجز قوى الأمة على التقدم بها من جديد على طريق الوحدة.فبعد الانفصال وبعد إخفاق مشروع لاتحاد الثلاثي بين مصر وسورية والعراق ، ظل الإصرار الشعبي، أو التيار الشعبي الغالب في سورية، على استعادة الوحدة . وقامت محاولات في هذا السبيل وتكررت انتفاضات كان لها ضحاياها وقدمت تضحيات كثيرة. وفي هذه المحاولات، كثيراً ما ذهبت المساعي إلى الحصول على تأييد عبد الناصر لها، وإلى الحصول على دعم من مصر، ولكن قضية الوحدة بالنسبة لعبد الناصر لم تعد تحتمل في تقديراته للأمور أية مغامرة، بينما كل الأعداء يتربصون بها. ولكن مصر عبد الناصر ظلت المرجعية في الوحدة بالنسبة للسوريين، تمسكاً بما أكده الرئيس عبد الناصر نفسه في أول ذكرى أقيمت للوحدة بعد أشهر قليلة من الانفصال حين قال :" إن الوحدة مسؤولية تاريخية يظل يتحملها شعب مصر بحكم الطاقات والإمكانيات الكامنة فيه... " وقد قال يومها أيضأ:"الوحدة ليست ملك تجربة واحدة، بل هي ملك تاريخ طويل وممتد للمستقبل. " والشعب السوري، برغم كل الإحباطات وعمليات القمع التي وقفت في وجه التيار الوحدوي المتوجه نحو مصر، فإنه لم يقنط وظل يحاول ويدفع.وظل عبد الناصر يحتفل بعيد الوحدة في ذكراها كل عام، وما انقطع إلا بعد عدوان حزيران . وظل يؤكد وكما قال يوم 22 فبراير (شباط) عام 67، " أمل الوحدة عزيز وغال بين آمال النضال العربي إن لم يكن أعزها وأغلاها. " ولكن وفي الطريق إليه، وكما أكد أيضاً، لا بد من تحقيق آمال أخرى . ثم كان أن ضرب العدو ضربته، ليتقدم مطلب الوحدة في المعركة من أجل إزالة آثار العدوان . وفي إدارة المعركة التي لم يعد فيها بالنسبة لعبد الناصر، من بديل إلا النصر، راح يبني القوة والمنعة في مصر، قاعدة أيضاً وقدوة لجمع شمل الأمة في المعركة، وبذلك ظلت مصر عبد الناصر محركاً لثورية وكفاحية شعوب الأمة.ففي مايو (أيار) عام 69 قام "الضباط الأحرار" في السودان بثورتهم وتطلعت السودان وشعب السودان إلى التوحد مع مصر عبد الناصر في المعركة. وبعد أشهر وفي الفاتح من سبتمبر قام "الضباط الأحرار" في ليبيا بثورتهم واندفعوا نحو مصر، ومطلب الوحدة كان وظل على الدوام مطلبهم، أما سورية فقد ظلت الوحدة مطلب شعبها وشعار يطرحه حكامها، أما عبد الناصر فقد ظل تأكيده على وحدة القوة في المعركة من غير أية عقدة أو تعقيدات تشغل عنها أو تأخذ منها، ومع ذلك فهو لم يحجم عن المبادرة نحو خطوة وحدوية جديدة إذا ما دفعت إليها ظروف هذا القطر أو ذاك، وكضرورة استراتيجية من ضرورات معركة الأمة في شمولها.ففي أواخر شهر يونيو (حزيران) عام 70 أي لثلاثة أشهر قبل الغياب، وعندما كان عبد الناصر في زيارته إلى ليبيا والمشاركة في الاحتفالات بجلاء القوات الأمريكية عن قاعدة ويلس، وجد عبد الناصر نفسه وفي لقاء مع قيادة الثورة الليبية مجتمعة أمام وضع يشابه إلى حد ما ذلك الوضع الذي حوصر به عام 58 مع مجموعة ضباط القيادة السورية، عندما اتخذ قراره بالذهاب إلى الوحدة . وهناك جرى التفكير بقيام اتحاد ثلاثي بين ليبيا ومصر وسورية، وان ينضم إليه السودان إذا ما توفرت له الظروف، وكاد عبد الناصر يأتي على الفور إلى دمشق برفقة القذافي والرئيس السوري الأتاسي، ليزف إلى الشعب السوري هذا التصميم . ثم كان التريث لاستكمال الاستعداد ولما تقتضيه ظروف المعركة. وذهب عبد الناصر إلى موسكو في آخر سفرة ومن أجل الإعداد للمعركة ووضع السوفييت في الصورة، وتوالت الأحداث الخطيرة التي توالت وغاب عبد الناصر عنا فجأة.أما ذلك المشروع لاتحاد ثلاثي الذي علقته الأحداث، أعيد للتداول والبحث بين الأطراف المعنية عام 71، وقام على آثاره ما سمي باتحاد الجمهوريات العربية عام 72، ولكنه اتحاد قام بلا رأس ولا روح، وقام كشكل للوحدة من غير توحد، وعندما انفض ذهب وكأنه لم يكن ولم تحس بحضوره الأمة وشعوب الأمة. وكأن الرأس والروح كانا في قيادة عبد الناصر وفي مصر عبد الناصر، ولم يعد هناك عبد الناصر ولا القيادة البديل التي تجمع، ومصر لم تعد مصر التي كانت بعبد الناصر. وطويت الحقبة.ما بعد الناصريةحقبة للنهوض والتقدم كانت، وبكل المعايير الإنسانية، تلك الحقبة التي عاشتها الأمة العربية في عهد عبد الناصر، وبقيادة عبد الناصر. وأياً ما كانت المصاعب التي اعترضت سبيل حركة القومية العربية في تلك الحقبة، أو العثرات التي تعثرت فيها حركة الثورة، فلقد ظلت حقبة نهوض، وحركة نهوض بشعوب الأمة على طريق أهدافها. ومن بعدها كان التراجع ومازال.وإذا لم تكن قضية وحدة الأمة العربية وقدرة شعوب الأمة على النهوض بها كأمة موحدة في مواجهة أعدائها ومواجهة التحديات، إذا لم تكن المعيار الوحيد للتقدم والنهوض أو الانتكاس والتقهقر، فإنها تبقى معياراً أساسياً وقاطعاً بالنسبة لكل الذين مازالوا يقولون بمشروع قومي للنهوض بالأمة من جديد أو بمثروع نهضوي عربي... فنحن نعيش ومنذ منتصف السبعينات، وبمعيار الوحدة والتوحد هذا وبغيره، حركة تراجع وارتداد عن أهداف حركة القومية العربية والنضال العربي، لا تغطي عليها أو تخدع ، تلك الأنماط المصطنعة من التحديث والازدهار، لبعض الأقطار والأنظمة القطرية العربية وبما أعطاه لها النفط والثروات النفطية.ولقد تعمم التراجع، تراجع الأنظمة والحكومات العربية عن التزامها القومي، وإذا ما بقيت بعض الأنظمة على الإلتزام المعلن، ترفع شعارات التحرر والتقدم والوحدة ، فإنها في مجموعها أخذت تنكفىء على قطريتها ومصالحها القطرية واستمرار سلطويتها، لتتكرس التجزئة أكثر من أي وقت مضى. وليتضح أن التجزئة ليست فقط تلك الحدود التي فرضها الاستعمار ورسمتها قوى الهيمنة الأجنبية، بل وهي متأتية أيضاً من عوامل تأخر الاندماج القومي لمجتمعاتنا، وتتكرس بتنامي النزعات والمصالح الفئوية، وسيادة الروابط والعصبيات والإيديولوجيات المتعارضة مع الوحدة القومية . هناك من يصرون على الوقوف بالأمة عند هزيمة حزيران عام 67، وكأنها جاءت الاختبار الأخير للثورة الناصرية ولحركة القومية العربية. والحق أن عبد الناصر، معززاً بإرادة شعوب الأمة والتفافها حول قيادته، استطاع أن ينهض في وجه الهزيمة وقدم وأعطى الكثير في السنوات الثلاث التي أعقبت الهزيمة إلى أن قضى . وكاد منذ الثبات والتقدم في حرب الاستنزاف عام 69، أن يقهر الهزيمة وأن يحسم في التصميم على نصر لا بديل عنه للأمة في الحرب من أجل إزالة آثار عدوان حزيران .ولقد استطاع عبد الناصر أن يتقدم بحركة التضامن العربي والوحدة في المعركة. وبهذا التوجه خاضت مصر وسورية معاً حرب أكتوبر، من خلال إعداد وتصميم موحد. وكان المطلوب ناصرياً أن تستمر وتتواصل حتى إزالة آثار العدوان . ولكن تلك الحرب توقفت أو أوقفت، وجرى وقف إطلاق النار وفصل القوات قبل بلوغ الهدف . فلا الحرب استمرت على جبهتي القتال حتى تحقيق النصر، ولا الوحدة في المعركة ظلت وحدة بل تفارقت ، ثم جاء تحول السادات بمصر نحو الانكفاء.بعد حرب أكتوبر والعبور العظيم، انفك العقد السوري- المصري في المواجهة، في مواجهة متطلبات التسوية المفروضة والسلام، بعد الانفكاك عن تلازمهما أثناء الحرب. فالسادات ذهب لوحده إلى التسوية وانفرد وقال هذه آخر الحروب ( أي أنه أسقط الشعار الناصري : ما أخذ بالقوة يستعاد بالقوة) . وذهب إلى كمب دافيد ليسترجع، حسب اتفاقات كمب دافيد، سيناء مجردة ولوحدها قبل غيرها، متخطياً التصميم الذي كان لعبد الناصر والذي كان يقول : الضفة وغزة والقدس والجولان قبل سيناء . وها نحن وبعد مرور عشرين عاماً على عودة سيناء وسورية لم تسترجع جولانها، بينما الاستيطان الصهيوني يأخذ كل القدس ويكاد يأتي على الضفة الغربية كلها.بعد خروج السادات بمصر من المواجهة والانكفاء بها عن المواقع التي تقدمت إليها الثورة الناصرية، ثم بعد خروج مصر او إخرجها من الجامعة العربية ومن أن تكون مرجعية لوحدة الأمة، توجهت سورية من جديد نحو العراق وتوجه العراق نحو سورية التماساً لوحدة تقوم بينهما. وفي محاولة لإيجاد مرتكز جديد لمقاومة الأمة وللمواجهة مع إسرائيل ومن وراء إسرائيل . ولكن الطريق السورية هذه إلى الوحدة مع العراق ما لبثت أن سدت وردت . أو هي في واقع الأمور لم تفتح على مصراعيها أصلاً ، إذ لم تفتحها الشعوب والإرادة الحرة للشعوب . ليتكرس التعارض والافتراق بين سورية والعراق من جديد.ثم جاءت حروب الخليج وما أعقب حروب الخليج، وانفرط عقد الأمة، بل وتصارعت فيما بينها واقتتلت. ولم تبق من قضية توحد ولا من مرتكز تنشد إليه ويجمع . وتقطعت الطرق، ولم يعد هناك طريق سورية إلى الوحدة، لا باتجاه العراق ولا بالعودة إلى مصر وشد أواصر إعادة الوحدة مع مصر.وخلال هذه الحقبة الزمنية الممتدة ما بعد الناصرية، جرت محاولات وطرحت مشاريع اتحادات عربية، وبعضها سار خطوات فيها ثم انحسر. كما قامت تجمعات إقليمية عربية بديلة نزلت في تماسكها دون مستوى " جامعة الدول العربية"، ما بقي منها إلا هذا التجميع في "مجلس التعاون الخليجي " للأقطار العربية الخليجية الستة، إن البحث في هذه التجارب والمحاولات وما وصلت إليه موضوع آخر، لنبقى عند سورية وما بقي من "الطريق السوري نحو الوحدة". وإذا ما انقطع اليوم هذا الطريق، فماذا بقي له من رصيد أو تطلعات نحو المستقبل؟إن ضرورة الوحدة وقيام رابطة وحدوية تلم شمل شعوب الأمة، وقيام كيان موحد للأمة العربية، مازالت مترسخة في الإدراك العام لشعبنا وفي توجهات طلائعه الثقافية، كضرورة لا بديل عن إنجاز مهمات بلوغها للخلاص من العثار الكبير الذي صرنا إليه، وانسداد المسالك إلى أهدافنا المستقبلية. فالأنظمة القطرية العربية بما آلت إليه، من تابعية للخارج اللاعربي، ومن قهر في الداخل لشعوبها وحركة شعوبها، تقف عاجزة لا عن الوفاء بالتزاماتها القومية وقضاياها الكبرى كقضية فلسطين فحسب، بل وتقف عاجزة لوحدها عن حل مشاكلها أو حماية حدودها الوطنية والتصدي لمسائل التنمية الملحة، بينما تقتحمها العولمة وثورة المعلومات، وتلقى بها حركة العالم والتكتلات الكبرى التي تقوم في العالم على الهامش.وإذا كان هذا كله يظل يطرح قضية الوحدة العربية كضرورة تاريخية واستراتيجية للنهوض بالأمة، فعند البحث عن الطريق إليها، تبقى الأسئلة والتساؤلات أكثر من الحلول المقدمة، بعد أن عجزت الحكومات العربية في السنوات الأخيرة، عن الوصول إلى الحد الأدنى من التضامن اللازم في مواجهة قضايا مصيرية بالنسبة للأمة كلها. في الحقبة الناصرية ارتسم طريقان للتضامن العربي والعمل العربي المشترك ولتوحيد القوى العربية والأقطار، كان هناك طريق وحدة الصف والتضامن بين الحكومات وما يمكن أن يتقدم إليه من تعاون وعمل مشترك ، وكان هناك طريق وحدة الهدف الذي تندفع عليه الشعوب وحركة الشعوب، وكان عبد الناصر يدفع بالعمل على هذا المستوى أو ذاك، حسب مقتضيات الظروف والمصاعب التي تمر بها الأمة، وحسب مقتضيات إدارة الصراع مع أعداء الأمة وإن ظل يضع الوحدة العربية في النهاية على طريق الشعوب ووحدة الهدف.فعلى طريق وحدة الصف في مواجهة مهمات مرحلية كان تحريك نشاطات "جامعة الدول العربية" ومؤسساتها ومواثيقها، وكانت الدعوة لمؤتمرات القمة وما قدمت القمم العربية من التزامات ودعم وعون. ولكن طريق الشعوب والثورة الإجتماعية والسياسية للشعوب هي التي كان التقدم عليها إلى وحدة القطرين عام 58، كما أعطت مستوى آخر في العمل العربي الهادف.وعبد الناصر ظل وبعد كل ما تبدلت إليه الأحوال أيام قيادته وفياً لتطلعات الشعوب ووحدة الهدف. فهو لم يبق متمترساً في " قاعدته الحصينة" بعد الإنفصال، بل هو خرج منها، عندما دعت إليها وللانتصار لها حركة الشعوب وثورات الشعوب في هذا القطر العربي أو ذاك . لقد خرج منها إلى اليمن عندما قامت الثورة في اليمن وخرج منها إلى الجزائر وانتصاراً لثورة الجزائر. وفي مرحلة تعثر فيها تلاقي "الثورات " العربية وتلاقي الحركات والتيارات الشعبية على طريق واحدة هادفة، طرح عبد الناصر شعار تجمع القوى العربية في "حركة عربية واحدة"، وتلك كلها تبقى أمامنا دلائل ومؤشرات يمكن الاستدلال بها في أي عمل أو نشاط وحدوي يقوم من جديد.ولكن الطريقان يبدوان اليوم متعثرين في هذه الحقبة ما بعد الناصرية، ولتبقى "الوحدة" وإن نادى الكثيرون بضرورتها، لتبقى وهي الضرورة المرجأة ، إلى أن تعود وتدفع إليها إرادة الشعوب وحركة الشعوب. فطريق التضامن ووحدة الصف، وهي أضعف الإيمان، تبقى اليوم ممتنعة مالم تدفع إليها بقوة حركة الشعوب.وهنا تعود وتطرح نفسها بالضرورة المطالب القديمة- الجديدة، مطالب الاستقلال والخروج من أطر التابعة، وتحرير إرادة الشعوب من الداخل. إن كل الندوات والحوارات التي تجري بين طلائعنا الثقافية والسياسية، حول قضايا الأمة ووحدة الأمة والنهوض والتقدم بالأمة، تعود وتطرح في المنطلق والمبدأ، مسائل الديمقراطية والتغيير الديمقراطي واحقاق حقوق المواطنين وحقوق الإنسان في مجتمعاتنا العربية، تحريراً لإرادة الشعوب وإطلاقاً لمبادراتها لتعود وتؤسس لفكرة الوحدة القومية والطريق إلى الوحدة في مجتمعاتنا العربية من جديد.
***هوامش(1) - وتجدر الإشارة هنا إلى أن ثمة قدر كبير من المغامرة في كل الثورات الكبرى التي قامت في العالم وفي كل حركات توجيه الأمم وإقامة دولة الأمة الموحدة القوية، وهذا يذكرنا بمقولة الفيلسوف الألماني هيغل التي أكد فيها على أن الدولة القومية، الدولة الموحدة للأمة، عندما تكون مطلباًَ ملحاً في لحظة تاريخية وتعجز الأمة عن تحقيقه فإنها ترتد إلى عصر بربريتها.(2)- وهو عنوان أخذت مادته من نص برقية تهنئة جاءتنا من صحافي إيطالي يساري صديق أرسلها باسم حزبه وجريدته الأونيتا.(3) في 3 أكتوبر أنزل الأسطول الحربي المصري إلى الشاطيء السوري قطعات عسكرية من الجيش النظامي تأكيدأ للعالم أن سورية لن تقف لوحدها في العراق وصارت مصر وسورية جبهة واحدة في المواجهة الثانية ومنذ أيام صلاح الدين.(4) إذا كان بومدين قد رأى وقتها في هياج الشعب السوري من أجل الوحدة مرضاً فإنه لم يعد مرض الشعب السوري وحده، ففي تلك الفترة، وعندما ذهب عبد الناصر لزيارة الجزائر، فإن شعب الجزائر الذي نال استقلاله الوطني بعد ثورة تواصل قتالها ئماني سنوات وقدمت أكثر من مليون شهيد، نزل بحماسة إلى الشوارع رافعاً أعلاماً للوحدة العربية مرصعة بأربعة نجوم . *بحث قُدّم في الندوة التي أقيمت في القاهرة عام 1998 برئاسة السيدة هدى جمال عبد الناصر، بمناسبة مرور أربعين عاماً على وحدة القطرين مصر وسورية.